ماذا تعني بينهما برزخ لا يبغيان

ماذَا تعيِ بينهما برزخ لا يبغيان

 

الكثير منا يقرء القران ولا يعرف معنيِ بَعض الايات ومن بَعض هَذه الايات بينهما برزخ لا يبغيان الَّتِيِ نقرئها دوما ولا نعرف معنيِ لَها فاليِ كُل مِن يهتم لمعرفه امور دينه اليكم تفسير هَذه الايه الكريمه

صور ماذا تعني بينهما برزخ لا يبغيان

بكل تفصيل شرح لهَذه الايه الكريمه:

هاتان الايتان الكريمتان وردتا فِيِ آخر الربع الاول مِن سوره الرحمن‏,‏ وهيِ سوره مدنيه ‏,‏ واياتها ثمان وسبعون‏,‏ وقد سميت بهَذا الاسم الكريم لاستهلالها به‏,‏ وهو مِن اسماءَ الله الحسني‏,‏ وتضمنت عدَدا مِن لمسات رحمه الله الرحمن‏,‏ وعظيم الائه ونعمه عليِ عباده‏,‏ ومِنها تعليم القران لخاتم انبيائه ورسله‏(‏ صليِ الله عَليه وسلم وللصالحين مِن الانس والجن فِيِ زمانه ومن بَعده‏,‏ وخلق الانسان‏,‏ وتعليمه البيان‏.‏ وتدعو سوره الرحمن اليِ عدَد مِن القيم الدينيه العليا‏,‏ ومِنها الايمان بالله وحده‏,‏ وبما اخبرنا بِه مِن خلقه الغيبيِ مِن الملائكه والجن‏,‏ وبالبعث والحساب‏,‏ وبالجنه ونعيمها‏,‏ وبالنار وعذابها‏,‏ وتوصيِ بحسن القيام بواجبات الاستخلاف فِيِ الارض‏,‏ واقامه عدل الله فيها فتقول‏:‏والسماءَ رفعها ووضع الميزان‏*‏ الا تطغوا فِيِ الميزان‏*‏ واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان‏*(‏ الرحمن‏:7‏ ‏9)‏ وتوكد السوره الكريمه عليِ حتميه فناءَ كُل شيء‏,‏ وعليِ حقيقه بقاءَ الله الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ فيقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ كُل مِن عَليها فان‏*‏ ويبقيِ وجه ربك ذُو الجلال والاكرام‏*(‏ الرحمن‏:27,26)‏
كَما توكد سوره الرحمن التباين الواضح فِيِ الاخره بَين كُل مِن اهل النار واهل الجنه ‏,‏ فاهل النار يعرفون بسيماهم‏(‏ أيِ بعلامات فِيِ وجوههم مِن السواد والزرقه ‏),‏ وانهم سوفَ يلقون مِن صور الاذلال والمهانه ما لخصت السوره الكريمه جانبا مِنه‏,‏ وعليِ النقيض مِن ذلِك افسحت السوره فِيِ اخرها أكثر من‏40%‏ مِن عدَد اياتها لتصوير شيء مِن مقامات التكريم فِيِ جنات النعيم الَّتِيِ يلقاها كُل مِن خاف مقام ربه فِيِ الحيآة الدنيا‏,‏ وتصف جانبا مما فِيِ هَذه الجنات مِن نعيم‏.‏ وتشير سوره الرحمن اليِ ان مِن طلاقه القدره الالهيه ان الله‏(‏ تعالي‏)…‏ كُل يوم هُو فِيِ شان‏,‏ وتستعرض عدَدا مِن ايات الله الكونيه الداله عليِ عظيم الائه‏,‏ ونعمه‏,‏ وعميم فضله وكرمه عليِ كافه خلقه‏,‏ وان كَان كثِير مِن عباده المكلفين مِن الانس والجن غافلين عَن تلك الالاءَ والنعم‏,‏ أو مكذبين بها أو منكرين لَها مِن قبيل الجهل أو الانحراف والتطاول والصلف‏..!!‏ ولذلِك تختتم السوره الكريمه بقول الحق‏(‏ سبحانه وتعالي‏):‏ تبارك اسم ربك ذيِ الجلال والاكرام
ومن الايات الكونيه الَّتِيِ استشهدت بها السوره الكريمه عليِ صدق ما جاءت بِه مِن الحق ما يلي‏:
‏‏(1)‏ ان الله‏(‏ تعالي‏)‏ هُو الَّذِيِ انزل القران الكريم‏,‏ انزله بعلمه‏,‏ وعلمه خاتم انبيائه ورسله كَما علمه عدَدا مِن خلقه‏.‏
‏(2)‏ وانه‏(‏ سبحانه‏)‏ هُو الَّذِيِ خلق الانسان‏,‏ وعلمه البيان‏,‏ وقضيه نشاه اللغات شغلت بال العلماءَ والمفكرين لقرون طويله دون جواب سليم‏.‏ ‏(3)‏ وهو‏(‏ تبارك اسمه‏)‏ الَّذِيِ اجريِ ولا يزال يجريِ كلا مِن الشمس والقمر بحسبان دقيق‏(‏ وهَذا ينطبق عليِ كُل اجرام السماء‏,‏ وعليِ كُل لبنات بنائها الاوليه ‏).‏
‏(4)‏ وان كُل ما فِيِ الوجود مِن الجمادات والاحياءَ غَير المكلفه ‏,‏ وقليل مِن المكلفين يسجد لله‏(‏ تعالي‏)‏ ويسبح بحمده‏.‏ ‏(5)‏ وان الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ هُو الَّذِيِ رفع السماءَ بغير عمد مرئيه ‏,‏ ووضع ميزان التعامل بَين الخلائق‏,‏ وامر بَعدَم الطغيان فيه‏.‏
‏(6)‏ وانه‏(‏ تعالي‏)‏ هُو الَّذِيِ وَضع الارض للانام‏,‏ وهياها لاستقبال الحيآة ‏,‏ وجعل فيها مِن النباتات وثمارها ومحاصيلها ما يشهد عليِ ذلك‏.‏ ‏(7)‏ وانه‏(‏ تعالي‏):‏ خلق الانسان مِن صلصال كالفخار‏*‏ وخلق الجان مِن مارج مِن نار‏*.‏
‏(8)‏ وانه‏(‏ سبحانه‏):‏ رب المشرقين ورب المغربين‏*‏ وهيِ اشاره ضمنيه رقيقه لكرويه الارض‏,‏ ولدورأنها حَول محورها أمام الشمس‏.‏ ‏(9)‏ وان الله‏(‏ تعالي‏)‏ هُو الَّذِيِ مرج البحرين يلتقيان‏*‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏*….‏ يخرج مِنهما اللولو والمرجان‏*‏ وهيِ اشاره قرانيه دقيقه اليِ حقيقه علميه موكده لَم يدركها العلماءَ المتخصصون الا فِيِ اواخر القرن التاسع عشر الميلاديِ فِيِ اثناءَ رحله الباخره البريطانيه ‏(Challenger)‏ أو التحدي‏(1872‏ ‏1876)‏ موداها ان الماءَ فِيِ البحار المتجاوره ‏,‏ وحتيِ فِيِ البحر الواحد يتمايز اليِ العديد مِن البيئات المتباينه فِيِ صفاتها الطبيعيه والكيميائيه ‏,‏ والَّتِيِ تلتقيِ مَع بَعضها البعض دون امتزاج كامل‏,‏ فتبقيِ مفصوله عليِ الرغم مِن اختلاطها وتلاقيِ حدودها‏,‏ وذلِك لما للماءَ مِن خصائص ميزه بها الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏
‏(10)‏ وان مِن هَذه الخصائص المميزه للماءَ ما جعله قادرا عليِ حمل السفن العملاقه عليِ ظهره‏,‏ وجريها فِيِ عبابه‏,‏ وطفوها فيه كَأنها الجبال الشامخات‏.‏ ‏(11)‏ وان الفناءَ مِن صفات كُل المخلوقات‏,‏ وان البقاءَ المطلق هُو للخالق وحده‏.‏
‏(12)‏ وان الارض فِيِ مركز الكون لتوحد اقطارها واقطار السماوات‏,‏ وان الكون شاسع الاتساع بصوره لا يستطيع العقل البشريِ استيعابها‏,‏ وان ايا مِن الجن والانس لا يستطيع النفاذ مِن اقطار السماوات والارض الا بسلطان مِن الله‏(‏ تعالي‏).‏ ‏(13)‏ وان السماءَ الدنيا مليئه بالنيران وفلز النحاس‏(‏ عليِ هيئه نويِ ذراته‏).‏
‏(14)‏ وان السماءَ سوفَ تنشق فِيِ الاخره عليِ هيئه ورده حمراءَ مدهنه ‏,‏ وهيِ حاله تنشق عَليها النجوم فِيِ زماننا كَما صورها مقراب هابل الفضائي‏.‏
وعقب كُل ايه مِن هَذه الايات الكونيه ياتيِ قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ فبايِ الاءَ ربكَما تكذبان وقد ترددت هَذه الايه احديِ وثلاثين مَره بَين ايات هَذه السوره الكريمه ‏.(‏ أيِ بنسبه ‏40%‏ تقريبا مِن عدَد اياتها الثمانيِ والسبعين‏),‏ وفيها مِن التقريع العنيف‏,‏ والتبكيت الشديد ما يستحقه المكذبون بالاءَ الله مِن الجن والانس‏,‏ الجاحدون لنعمه وافضاله‏,‏ وعليِ راسها دينه الخاتم الَّذِيِ بعث بِه رسوله الخاتم‏(‏ صليِ الله عَليه وسلم‏)‏ والذيِ لا يرتضيِ مِن عباده دينا سواه‏,‏ بَعد ان اتمه‏,‏ واكمله‏,‏ وحفظه بنفس لغه الوحيِ كلمه كلمه ‏,‏ وحرفا حرفا عليِ مديِ اربعه عشر قرنا واليِ ان يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الارض ومن عَليها‏…!!‏ وكل ايه مِن الايات الكونيه الوارده فِيِ سوره الرحمن تَحْتاج اليِ معالجه خاصه بها‏,‏ ولما كَان ذلِك يحتاج اليِ تفصيل لا يتسع لَه المقام‏,‏ فسوفَ اقصر الحديث هُنا عليِ الايتين‏(20,19),‏ مِن السوره الكريمه ‏,‏ واللتين اشير اليهما فِيِ النقطه التاسعه مِن القائمه السابقه ‏,‏ وقبل الدخول فِيِ ذلِك لابد مِن استعراض سريع للدلالات اللغويه للغريب مِن الفاظ هاتين الايتين‏,‏ ولاقوال عدَد مِن المفسرين السابقين فِيِ شرحهما‏.‏
الدلالات اللفظيه لبعض كلمات الايتين الكريمتين:

يتوزع الماءَ افقيا عليِ سطح البحار والمحيطات بتوزع المناطق المناخيه كَما يتوزع راسيا بحسب كُل مِن درجات الحراره
ونسبه تركيز الاملاح وتبقيِ هَذه الكتل المائيه منفصله عَن بَعضها عليِ الرغم مِن عنف التيارات البحريه والامواج
‏(1)(مرج‏):‏ الميم والراءَ والجيم اصل يدل عليِ المجيء والذهاب‏,‏ والقلق والاضطراب‏,‏ ولذلِك قيل‏:(‏مرج‏)‏ الخاتم فِيِ الاصبع إذا اتسع‏,‏ و‏ مرجت‏)‏ امانات القوم وعهودهم أيِ اضطربت واختلطت‏,‏ و‏(‏مرج‏)‏ الامر إذا اختلط ومنه‏(‏الهرج والمرج‏),‏ وامر‏(مريج‏)‏ أيِ مختلط‏.‏ و‏(‏المرج‏)‏ فِيِ اللغه هُو مرعيِ الدواب‏,‏ اي‏:‏ الارض الَّتِيِ يكثر فيها النبات‏(‏فتمرج‏)‏ الدواب فيه وتختلط‏,‏ ولذلِك قيل‏:(مرج‏)‏ الدابه و‏(‏امرجها‏)‏ ف‏(مرجت‏)‏ اي‏:‏ ارسلها ترعيِ وتختلط بغيرها مِن الحيوانات فِيِ المرعيِ لان اصل‏(المرج‏)‏ هُو الخلط‏,‏ و‏(المروج‏)‏ هُو الاختلاط‏,‏ وقوله‏(‏ تعالي‏):‏ مرج البحرين أيِ افاض احدهما بالاخر‏,‏ وجعلهما يختلطان دون امتزاج كامل‏,‏ أيِ دون ان يلتبس احدهما بالاخر التباسا كاملا‏,‏ كَما تختلط الدواب فِيِ المرعي‏,‏ ويبقيِ لكُل مِنها وجوده‏,‏ و‏(‏مارج‏)‏ مِن نار اي‏:‏ لهب مِن نيران مختلطه لا دخان لها‏.‏
‏(2)(برزخ‏):‏ هُو حاجز اوجد بَين شيئين ماديين‏,‏ أو معنويين مِن مِثل الفاصل بَين الدنيا والاخره مِن وقْت الموت اليِ البعث‏,‏ فمن مات فقد دخل البرزخ‏,‏ وفيِ تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏ بينهما برزخ لا يبغيان قال عدَد مِن المفسرين هُو حاجز مِن الارض‏,‏ وقال البعض الاخر هُو حاجز أو حائل أو مانع اوجدته القدره الالهيه المبدعه ‏,‏ لا يراه أحد مِن الناس‏.
‏‏(3)(‏البغي‏):‏ هُو التعديِ ومجاوزه الحد بافراط واستطاله ‏.‏
من اقوال المفسرين:
فيِ تفسير قوله‏(‏ تعالي‏):‏ مرج البحرين يلتقيان‏*‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏*(‏ الرحمن‏:20,19)‏ ذكر ابن كثِير يرحمه الله ما نصه‏..‏ وقوله تعالي‏:(‏ مرج البحرين‏)‏ قال ابن عباس‏:‏ أيِ ارسلهما‏,‏ وقوله‏(‏ يلتقيان‏)‏ قال ابن زيد‏:‏ أيِ مَنعهما ان يلتقيا بما جعل بينهما مِن البرزخ الحاجز الفاصل بينهما‏,‏ والمراد بقوله‏(‏ البحرين‏):‏ الملح والحلو‏….(‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏)‏ أيِ وجعل بينهما برزخا وهو الحاجز مِن الارض لئلا يبغيِ هَذا عليِ هَذا وهَذا عليِ هذا‏,‏ فيفسد كُل واحد مِنهما الاخر‏….‏ وجاءَ فِيِ تفسير الجلالين‏(‏ رحم الله كاتبيه رحمه واسعه ‏)‏ ما نصه‏:(‏ مرج‏)‏ ارسل‏(‏ البحرين‏)‏ العذب والملح‏(‏ يلتقيان‏)‏ فِيِ رايِ العين‏,(‏ بينهما برزخ‏)‏ حاجز مِن قدرته تعالي‏(‏ لا يبغيان‏)‏ لا يبغيِ واحد مِنهما عليِ الاخر فيختلط به‏.‏
وجاءَ فِيِ تفسير الظلال‏(‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعه ‏)‏ ما نصه‏:..‏ والبحران المشار اليهما هما البحر المالح والبحر العذب‏,‏ ويشمل الاول البحار والمحيطات‏,‏ ويشمل الثانيِ الانهار‏,‏ ومرج البحرين ارسلهما وتركهما يلتقيان‏,‏ ولكنهما لا يبغيان‏,‏ ولا يتجاوز كُل مِنهما حده المقدر‏,‏ ووظيفته المقسومه ‏,‏ وبينهما برزخ مِن طبيعتهما مِن صنع الله‏….‏ وجاءَ فِيِ صفوه البيان لمعانيِ القران‏(‏ رحم الله كاتبه برحمته الواسعه ‏)‏ ما نصه‏:…(‏ مرج البحرين يلتقيان‏…)‏ ارسل الله المياه العذبه والملحه فِيِ مجاريها أنهارا وبحارا عليِ سطح الارض‏,‏ متجاوره متصله الاطراف‏,‏ ومع ذلِك لَم تختلط‏,‏ لاقتضاءَ حكمته تعاليِ اقامه حواجز بينها مِن اجرام الارض تمنعها مِن الاختلاط‏,‏ ولولاها لبغيِ أحد النوعين عليِ الاخر‏,‏ فبقيِ العذب عليِ عذوبته‏,‏ والملح عليِ ملوحته‏,‏ لينتفع بِكُل مِنهما فيما خلق لاجله‏…,‏ و‏(‏مرج‏)‏ ارسل‏…(‏ يلتقيان‏)‏ يتجاوران أو تلتقيِ اطرافهما‏.(‏ برزخ‏)‏ حاجز مِن اجرام الارض‏,‏ وذلِك بقدرته تعالي‏.(‏ لا يبغيان‏)‏ لا يطغيِ احدهما عليِ الاخر بالممازجه ‏.‏ أو لا يتجاوزان حديهما باغراق ما بينهما‏.‏
وذكر اصحاب المنتخب فِيِ تفسير القران الكريم‏(‏ جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ ارسل الله البحرين العذب والملح يتجاوران وتتماس سطوحهما‏,‏ بينهما حاجز مِن قدره الله‏,‏ لا يطغيِ احدهما عليِ الاخر فيمتزجان‏.‏ وجاءَ فِيِ صفوه التفاسير‏(‏ جزيِ الله كاتبه خير الجزاء‏)‏ ما نصه‏:…(‏ مرج البحرين يلتقيان‏)‏ أيِ ارسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان‏(‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏)‏ أيِ بينهما حاجز مِن قدره الله تعاليِ لا يطغيِ احدهما عليِ الاخر بالممازجه ‏….‏
الدلاله العلميه للايتين الكريمتين
اولا‏:‏ طبيعه البحرين‏:
‏ يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ مرج البحرين يلتقيان‏*‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏*(‏ الرحمن‏:20,19)‏ ثُم يتبع ذلِك مباشره بقوله‏(‏ عز مِن قائل‏):‏ فبايِ الاءَ ربكَما تكذبان‏*‏يخرج مِنهما اللولو والمرجان‏*‏ فبايِ الاءَ ربكَما تكذبان‏*‏ ‏(‏الرحمن‏:21‏ ‏23)‏
ويرويِ عَن رسول الله‏(‏ صليِ الله عَليه وسلم‏)‏ أنه خرج عليِ اصحابه‏,‏ فقرا عَليهم سور الرحمن مِن اولها اليِ اخرها‏,‏ فسكتوا فقال‏(‏ صليِ الله عَليه وسلم‏):‏ لقد قراتها عليِ الجن ليله الجن‏,‏ فكانوا احسن مردودا منكم‏,‏ كنت كلما اتيت عليِ قوله تعالي‏:(‏ فبايِ الاءَ ربكَما تكذبان‏)‏ قالوا‏:‏ لا شيء مِن نعمك ربنا نكذب فلك الحمد‏(‏ اخرجه الترمذي‏)‏ والنعم فِيِ دلاله هَذه الايات الكريمه تستوجب شكر الخالق العظيم عَليها وهيِ عديده عديده ‏,‏ ولكنولا يُمكن ادراك ذلِك الا بفهم دلالتها العلميه ‏.‏
ونحن نعلم ان لفظه البحر فِيِ اللغه العربيه يُمكن ان تطلق عليِ كُل مِن البحر الملح والبحر العذب‏(‏ أيِ النهر‏),‏ ولكنها إذا اطلقت بغير تقييد فأنها تدل عليِ البحر الملح فقط‏,‏ واذ قيدت دلت عليِ ما قيدت به‏.‏ وفيِ ذلِك قال ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ مرج البحرين يلتقيان‏*‏ واطلاق لفظه البحرين هُنا دون تقييد يدل عليِ أنهما البحران المالحان‏,‏ وليس النهر والبحر كَما ذهب االيه غالبيه المفسرين قداميِ ومعاصرين ‏,‏ ويوكد ذلِك ما جاءَ فِيِ الايه ‏(22)‏ مِن نفْس السوره بقول الحق‏(‏ عز مِن قائل‏):‏ يخرج مِنهما اللولو والمرجان‏*‏
واللولو عباره عَن كريات صلبه ناعمه مِن كربونات الكالسيوم‏,‏ لَها بريق وتقوز لونيِ مبهج‏,‏ تنمو بداخِل اصداف طائفه خاصه مِن قبيله الرخويات تعرف باسم مزدوجات المصراع‏,‏ وهيِ حيوانات مائيه تعيش فِيِ كُل مِن الماءَ الملح والماءَ العذب‏,‏ ويستخدم اللولو كاحديِ الجواهر النفيسه ‏,‏ ولكن المرجان هُو حيوان بحريِ لا يحيا الا فِيِ الماءَ الملح‏,‏ ويتبع طائفه الزهريات‏,‏ وهيِ مِن طوائف قبيله جوفيات المعيِ الَّتِيِ غالبا ما تعيش فِيِ مستعمرات كبيرة الا ان مِنها ما يحيا حيآة فرديه ‏,‏ ويفرز الفرد مِنها هيكلا كلسيا‏(‏ مِن كربونات الكالسيوم‏),‏ وتَكون هياكل المستعمرات الكبيرة شعابا ضخمه تعرف باسم الشعاب المرجانيه ‏,‏ وتكثر فِيِ البحار الضحله الدافئه ‏,‏ ومِنها المرجحان الاحمر الَّذِيِ يتخذ ضمن المعادن شبه النفيسه ‏.‏ وعليِ ذلِك فإن سياق الايات فِيِ سوره الرحمن يوكد ان البحرين كلاهما مالح‏,‏ كَما اكده اطلاق لفظه البحرين‏.‏ والقران الكريم استخدم كلمه البحر بالاطلاق والتقييد كَما جاءَ فِيِ قوله‏(‏ تعالي‏):‏
‏1‏ ‏….‏ وسخر لكُم الفلك لتجريِ فِيِ البحر بامَره وسخر لكُم الانهار‏*(‏ ابراهيم‏:32)‏ ‏2‏ ‏…‏ وجعل بَين البحرين حاجزا‏…*‏ ‏(‏النمل‏:61)‏ ‏3‏ وهو الَّذِيِ مرج البحرين هَذا عذب فرات وهَذا ملح اجاج‏…*(‏ الفرقان‏:53)‏ ‏4‏ وما يستويِ البحران هَذا عذاب فرات سائغ شرابه وهَذا ملح اجاج‏…*(‏ فاطر‏:12)‏
ثانيا‏:‏ توزيع الكتل المائيه فِيِ البحار والمحيطات:
بقياس كُل مِن درجات الحراره ونسبه الملوحه فِيِ كتل الماءَ الَّتِيِ تملا البحار والمحيطات المختلفه ‏,‏ والَّتِيِ تغطيِ حوالي‏71%‏ مِن مساحه سطح الارض المقدره بخمسمائه وعشره ملايين مِن الكيلومترات المربعه ‏,‏ اتضح تباينها تباينا ملحوظا مِن بحر اليِ اخر‏,‏ وحتيِ فِيِ البحر الواحد‏(‏ افقيا وراسيا‏)‏ عليِ الرغم مِن وجود كتل مائيه هائله متجانسه فِيِ صفاتها الطبيعيه والكيميائيه ‏,‏ وكل مِنها يمثل بيئه حيويه خاصه لَها تجمعاتها الحياتيه المميزه ‏,‏ وانواع الرسوبيات الَّتِيِ تترسب مِنها‏.‏ والتباين فِيِ كُل مِن درجات الحراره ونسبه تركيز الاملاح فِيِ ماءَ البحار والمحيطات يوديِ اليِ تباين فِيِ كثافتها‏,‏ مما يعين عليِ تحديد تلك الكتل المائيه المتباينه عليِ الرغم مِن محاوله الامواج والتيارات البحريه خلطهما مَع بَعضها البعض‏.‏ وتتحرك كتل الماءَ السطحيه بَين مساحات كبيرة مِن خطوط العرض فتتغير صفاتها الطبيعيه والكيميائيه بتغير الظروف البيئيه الَّتِيِ تنتقل اليها مِن مِثل درجات الحراره ‏,‏ ومعدلات التبخير وسقوط الامطار وغيرها‏,‏ وعندما تتغير كثافه الكتله المائيه السطحيه فأنها تغوص فِيِ وسَط ماءَ أقل كثافه حامله معها بَعض صفات ماءَ المنطقه السطحيه الَّتِيِ كَانت فيها اليِ اعماق المحيط ان لَم تحمل تلك الصفات كلها فتوديِ اليِ تغيير كبير فِيِ صفات الماءَ بتلك الاعماق‏,‏ كَما تعين عليِ تحديد المصادر الَّتِيِ جاءت مِنها مُهما تباعدت مسافات تلك المصادر اليِ الاف الكيلومترات‏,‏ ومع اختلاط الماءَ مِن مصادر مختلفه تتغير صفات الكتل المائيه فِيِ المحيط الواحد وفيِ البحر الواحد باستمرار‏,‏ وبين البحار والمحيطات المختلفه بطريقَة مستمَره ‏,‏ وعليِ الرغم مِن ذلِك تبقيِ كتل متمايزه مِن الماءَ فِيِ تلك البحار والمحيطات ما بقيت‏,‏ وتسميِ كتل الماءَ المميزه عليِ اسطح تلك المساحات المائيه العملاقه فِيِ البحار والمحيطات باسم الموقع الجغرافيِ الَّذِيِ تُوجد فيه‏,‏ فتُوجد كتل الماءَ المتوسط بَين التيارات المائيه الرئيسيه فِيِ محيطات الارض‏,‏ وتُوجد كتل الماءَ حَول القطبين‏,‏ وكتل غَيرها بَين هاتين المجموعتين مِن كتل الماءَ المتميزه وتعرف باسم كتل الماءَ شبه القطبي
‏(‏ا‏)‏ كتل الماءَ السطحيِ فِيِ البحار والمحيطات
ينقسم الماءَ السطحيِ فِيِ بحار ومحيطات الارض عليِ اساس مِن التباين فِيِ درجات الحراره ونسبه الملوحه اليِ الكتل التاليه ‏:‏
‏(1)‏ كتله الماءَ السطحيِ المتوسط‏:‏
وتتراوح درجه حرارتها بين‏6‏ و‏19‏ مئويه ‏,‏ ونسبه ملوحتها بين‏3,4%‏ و‏3,65%,‏ وتمتد فِيِ بحار ومحيطات المناطق شبه الاستوائيه ‏,‏ وبين خطوط العرض‏30‏ و‏35‏ شمالا وجنوبا‏,‏ وهَذه الكتله المائيه الكبيرة تنقسم اليِ كتل اصغر لَها نفْس الكثافه تقريبا ولكنها تختلف فِيِ بقيه صفاتها الطبيعيه باختلاف مواقعها الجغرافيه ‏,‏ فعليِ سبيل المثال فإن الماءَ السطحيِ فِيِ الجُزء الشماليِ مِن المحيط الاطلسيِ يعتبر أكثر اجزاءَ المحيطات ملوحه ‏,‏ بينما يعتبر الماءَ السطحيِ فِيِ شمال المحيط الهاديِ أقلها ملوحه ‏,‏ ويستمر تواجد كتل الماءَ المتوسط راسيا فِيِ عمق البحر أو المحيط حتّى مستويِ ثبات المنحدر الحراري‏.‏
‏(2)‏ كتل الماءَ السطحيِ فِيِ خطوط العرض العليا‏:
‏ وهَذه تتميز بدرجات حراره منخفضه ونسب ملوحه أقل مما فِيِ كتل الماءَ المتوسط وذلِك لوجودها فِيِ مناطق بارده وغزيره الامطار‏,‏ وتمتد بصفه عامه فِيِ المناطق المناخيه المعتدله شمالا وجنوبا‏.‏
‏(3)‏ كتل الماءَ السطحيِ فِيِ المناطق حَول القطبيه ‏:
‏ اضخمها المنطقه حَول القطب الجنوبي‏,‏ ويتحرك فيها الماءَ مِن الغرب اليِ الشرق فِيِ اتجاه دوران الارض‏,‏ ويمتد اليِ اعماق تصل الي‏3500‏ متر‏,‏ فِيِ درجات حراره تكاد تَكون منتظمه بَين درجتين مئويتين والصفر المئوي‏,‏ ونسبه املاح تتراوح بين‏3,46%,‏ و‏3,47%.‏
‏(‏ ب‏):‏ كتل الماءَ متوسط العمق فِيِ البحار والمحيطات‏:
‏ يمتد هَذا الماءَ اليِ عمق يصل الي‏1500‏ متر تَحْت مستويِ سطح البحر‏,‏ وهو يتباين فِيِ درجات حرارته‏,‏ ونسب الملوحه فيه‏,‏ وذلِك لتحركه مِن مصادر مختلفه ‏,‏ وعليِ ذلِك يُمكن تقسيمه اليِ العديد مِن الكتل بناءَ عليِ صفاته الطبيعيه ومصادره الَّتِيِ جاءَ مِنها‏.‏ ويبلغ هَذا الماءَ المتوسط العمق اقصيِ انتشار لَه فِيِ المنطقه حَول القطب الجنوبي‏,‏ وذلِك لانه ينشا اساسا مِن الماءَ السطحيِ فِيِ المنطقه المعتدله الجنوبيه وهيِ منطقه شاسعه الاتساع عندما يبدا الماءَ فِيِ الهبوط مِن السطح اليِ اعماق البحر لازدياد كثافته بزياده برودته أو لزياده نسبه الاملاح المذابه فيه‏,‏ وبهبوط هَذا الماءَ يختلط بنسب مختلفه مَع كتل مائيه ذَات صفات متباينه ليَكون ما يسميِ باسم ماءَ القطب الجنوبيِ المتوسط العمق والذيِ ينتشر فِيِ كُل احواض المحيطات‏,‏ ويتدفق هَذا الماءَ البارد فِيِ اتجاه الشمال حتّى يصل اليِ خط عرض‏20‏ شمالا فِيِ المحيط الاطلسي‏,‏ ويتحرك جنوبا حتّى خط عرض‏10‏ جنوب خط الاستواءَ فِيِ كُل مِن المحيطين الهنديِ والهادي‏.‏ ويمتد ماءَ القطب الشماليِ المتوسط العمق اليِ شمال كُل مِن المحيطين الاطلسيِ والهادي‏,‏ ويتركز فِيِ اجزائهما الغربيه ‏,‏ وهَذا الماءَ تزداد ملوحته نسبيا فِيِ شمال غرب محيط الاطلسيِ وذلِك بسَبب تركيز الاملاح الناتج عَن تجمد الماءَ فِيِ القطب الشماليِ وتحرك الركازه الملحيه اليِ تلك المنطقه الَّتِيِ تشتد معدلات البخر فيها‏.,‏ كذلِك يتحرك الماءَ مِن البحر الابيض المتوسط اليِ المحيط الاطلسيِ عَبر مضيق جبل طارق فِيِ درجه حراره حوالي‏13‏ م‏,‏ ونسبه ملوحه تصل الي‏3,81%‏ لينزل تَحْت الماءَ السطحيِ للمحيط وتحت كتل الماءَ المتوسط فيه‏,‏ ويمكن تتبعه اليِ مسافات بعيده فَوق قاع المحيط الاطلسيِ رغم تغير صفاته الطبيعيه بالاختلاط مَع غَيره مِن كتل الماء‏,‏ كذلِك يندفع ماءَ البحر الاحمر اليبحر العرب عَبر باب المندب ليختلط بكتل الماءَ فيه‏,‏ ويندفع ماءَ الخليج العربيِ اليِ المحيط الهنديِ عَبر مضيق هرمز‏.‏
‏(‏ج‏):‏ كتل الماءَ العميق فِيِ البحار والمحيطات:
ان اوضح نموذج لكتل الماءَ العميق فِيِ البحار والمحيطات يقع فِيِ الجُزء الشماليِ الغربيِ مِن المحيط الاطلسي‏,‏ وينتج هَذا الماءَ مِن اختلاط الماءَ شديد الملوحه المندفع بواسطه تيار الخليج الَّذِيِ يضرب شواطيء فلوريدا والماءَ السطحيِ القادم مِن المنطقه شبه المتجمده الشماليه ‏,‏ وفيِ فصل الشتاءَ يبرد هَذا الخليط مِن الماءَ فيهبط اليِ قاع البحر حتّى يصل اليِ ما دون كتل الماءَ المتوسطه العمق‏,‏ وعندما يتحرك هَذا الخليط مِن الماءَ جنوبا فانه يرتفع فَوق ماءَ القطب الجنوبيِ العميق لقله كثافته عَن كثافه الماءَ القطبي‏,‏ وعليِ ذلِك فإن كتله ماءَ شمال الاطلسيِ العميقه تغطيِ قاع ذلِك المحيط اليِ خط عرض‏30‏ شمالا‏,‏ ولكنها تتطابق بَين كتل الماءَ العميق والمتوسط العمق كلما اتجهنا اليِ الجنوب مِن هَذا الخط مِن خطوط العرض‏,‏ وتبقيِ كُل كتله مِنها محتفظه بصفاتها الطبيعيه والكيميائيه وسَط حواف مِن الماءَ المختلط وتبلغ درجه حراره كتل الماءَ العميق فِيِ البحار والمحيطات حوالي‏3‏ درجات مئويه ‏,‏ ويصل متوسط نسبه الاملاح فيها الي‏34.9%‏ ولا تُوجد كتل عميقه مِن الماءَ فِيِ كُل مِن المحيطين الهنديِ والهاديِ باستثناءَ بَعض الجيوب الصغيرة ‏.‏
‏(‏د‏)‏ كتل الماءَ شديد العمق فِيِ البحار والمحيطات:
يحويِ المحيط القطبيِ الجنوبيِ فَوق قاعه كتله مِن الماءَ تعتبر اعليِ ماءَ الارض كثافه ‏,‏ ويتَكون هَذا الماءَ حَول القاره القطبيه الجنوبيه فِيِ فصل الشتاءَ ثُم يتحرك شمالا اليِ قيعان المحيطات الرئيسيه الثلاثه ‏:‏ الهاديِ والاطلسيِ والهنديِ حتّى تصل اليِ خط العرض‏30‏ شمالا‏.‏ وكتل ماءَ قاع القطب الجنوبيِ تتَكون اساسا مِن تجمد الماءَ بكميات كبيرة فَوق الرصف القاريِ تاركا وراءه كميه هائله مِن الركازه الملحيه ‏,‏ الَّتِيِ تندفع عَبر منحدرات الجرف القاريِ لتختلط مَع قدر مساو تقريبا مِن كتل الماءَ السطحيِ حَول القطبين‏,‏ فينشا هَذا الماءَ الَّذِيِ يتميز بدرجه بروده شديده ‏(‏ ناقص‏0.4‏ درجه مئويه ‏)‏ ونسبه ملوحه عاليه نسبيا فِيِ حدود‏3,47%).‏ وعليِ ذلِك فقد ثبت ان الماءَ فِيِ محيطات العالم يترتب افقيا وراسيا فِيِ كتل متمايزه عَن بَعضها بَعضا‏,‏ تبدا عِند مستويِ سطح البحر فِيِ المناطق ذَات خطوط العرض العليا‏.‏ وتمتد اليِ اعماق البحار والمحيطات حتّى تصل اليِ قاع المحيط فِيِ المناطق الاستوائيه ‏.‏ والترتيب الافقيِ لكتل الماءَ المختلفه فِيِ البحار والمحيطات حسب مناطقها المناخيه يعكْس الترتيب الراسيِ فِيِ النقطه الواحده حسب العمق‏.‏
وهَذه الكتل المائيه المتجاوره مفصوله عَن بَعضها البعض بواسطه الصفات الطبيعيه والكيميائيه الخاصه للماء‏,‏ وبتباين صفات تلك الكتل ذاتها‏,‏ عليِ الرغم مِن تحركها عَبر بَعضها بَعضا باستمرار افقيا وراسيا‏(‏ أيِ مرجها‏),‏ وذلِك بفضل تَكون حواجز ذَات طبيعه وسَطيه باستمرار بَين الكتل المائيه المتفاوته فِيِ صفاتها الطبيعيه والكيميائيه ‏.‏ ونظرا لان دوره الماءَ فِيِ المحيط دوره مستمَره فإن الماءَ يتحرك افقيا وراسيا باستمرار فيختلط‏,‏ ولا يمتزج امتزاجا كاملا ابدا‏,‏ فالماءَ عليِ السطح تدفعه الرياح والتيارات البحريه ‏,‏ والامواج المختلفه فِيِ محاوله لخلط تلك الكتل المائيه المتجاوره ولكن ذلِك لا يتِم بالكامل لضخامه كمياتها‏,‏ وكذلِك فإن هَذا الماءَ السطحيِ يتعرض للتبخير فتزداد ملوحته وبالتاليِ تزداد كثافته أو للتبريد فتزداد كثافته مما يوديِ اليِ نزوله اليِ اعماق البحر‏,‏ وهُناك قَد يتعرض لشيء مِن الحراره عَبر النشاطات البركانيه فَوق قيعان بَعض البحار والمحيطات‏,‏ أو لشيء مِن انقاص نسبه الملوحه بترسيب جُزء مِن الملح المذاب‏,‏ أو تقليل نسبته بالاختلاط بتيار مِن الماءَ العذب‏,‏ فتقل كثافه الماءَ فِيِ الاعماق‏,‏ ويرتفع اليِ اعليِ لمعاوده الكره مرات ومرات ومرات اليِ ان يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الارض ومن عَليها‏.‏
وقد ثبت بدراسه النظائر المشعه ان اختلاط ماءَ اعماق البحار والمحيطات يحتاج بَين الالف والالف وستمائه سنه لكيِ يتِم وذلِك فِيِ حوض المحيط الهادي‏,‏ واليِ نصف هَذا الزمن فِيِ كُل مِن المحيطين الهنديِ والاطلسي‏,‏ ولذلِك فَهو يمثل دائما اقدم الماءَ فِيِ المحيط عليِ الاطلاق‏,‏ بينما يمثل الماءَ السطحيِ احدث الماءَ عمرا لانه لا يكاد يبقيِ فِيِ مكانه لأكثر من‏10‏ الي‏20‏ سنه ‏,‏ والماءَ يتحرك مِن المحيط المتجمد الجنوبيِ فِيِ اتجاه الشمال بمعدل نصف ملليمتر تقريبا فِيِ كُل ثانيه ‏.‏ مِن ذلِك يتضح أنه عليِ الرغم مِن عوامل الخلط الافقيه والراسيه المستمَره فِيِ البحار والمحيطات بفعل كُل مِن الامواج والتيارات البحريه وبفعل تغير درجات الحراره ومتوسط الكثافه الا ان العديد مِن الكتل المائيه تبقيِ محتفظه بصفاتها الطبيعيه والكيميائيه الخاصه لتوفر البيئات اللازمه لكُل مجموعات الحيآة فِيِ البحار والمحيطات‏.‏
ثالثا‏:‏ مِن الصفات المميزه للماء:
تحمل الارض عليِ سطحها‏,‏ وفيِ كُل مِن قشرتها‏,‏ وتربتها وغلافها الغازيِ كَما هائلا مِن الماءيقدر بحوالي‏1.4‏ بليون كيلومتر مكعب‏,‏ واغلب هَذا الماء‏(97.22%)‏ فِيِ البحار والمحيطات‏,‏ ويتوزع الباقي‏(2.78%)‏ عليِ هيئه الجليد فَوق قطبيِ الارض وعليِ قمم الجبال‏(2.15%),‏ أو يخزن فِيِ صخور القشره الارضيه وتربتها‏(0.613%),‏ أو يحجز عليِ هيئه بحار داخِليه وبحيرات مالحه ‏(0.0077%),‏ أو بحيرات عذبه ‏(0.0092%),‏ أو رطوبه فِيِ التربه ‏(0.0049%),‏ أو عليِ هيئه أنهار وجداول جاريه ‏(00092,‏ ‏%).‏ والماءَ فِيِ الحاله السائله بهَذه الكميات الكبيرة يكاد يَكون مقصورا عليِ ارضنا‏,‏ لندرته عليِ ما نعرفه مِن الكواكب الاخري‏.‏
ويغطيِ الماءَ حوالي‏71%‏ مِن مساحه سطح الارض مِن تلك المساحه وتَكون اليابسه حوالي‏29%‏ فقط‏,‏ ولولا هَذا التوزيع المعجز لكَانت درجه حراره الارض حارقه بالنهار‏,‏ ومجمده بالليل ويتحرك الماءَ بَين كُل مِن الغلاف الصخري‏,‏ والمائي‏,‏ والغازيِ للارض فِيِ دوره معجزه تعرف باسم دوره الماءَ حَول الارض‏.‏ ونظرا لتركيبه الجزيئيِ الفريد فإن الماءَ يتميز بَعدَد مِن الصفات الطبيعيه والكيميائيه الخاصه والَّتِيِ مِنها ما يلي‏:‏
‏(1)‏ البناءَ الجزيئيِ ذُو القطبيه المزدوجه ‏:
‏ حيثُ يتَكون جزيء الماءَ مِن ذرتيِ هيدروجين تحمل كُل مِنهما شحنه كهربيه موجبه ‏,‏ ويرتبط كُل مِنهما بذره اوكسيجين‏(‏ تحمل شحنه كهربيه سالبه وذلِك بواسطه رابطتين تساهميتين قويتين تشكلان زاويه مقدارها‏105‏ درجات‏.‏ وهَذا البناءَ الجزيئيِ الفريد جعل للماءَ مِن الصفات ما يميزه عَن غَيره مِن السوائل والمركبات الهيدروجينيه ‏,‏ ويتضح ذلِك بجلاءَ فِيِ قطبيته الكهربيه الواضحه الَّتِيِ جعلت مِن الماءَ اقويِ مذيب عليِ سطح الارض‏,‏ وجعلت لجزيئاته قوه تلاصق وتماسك عاليه للغايه فيما بينها‏,‏ وذلِك لترابط جزيئات الماءَ فيما بينها برابطه تعرف باسم الرابطه الهيدروجينيه ‏.‏
‏(2)‏ درجات التجمد والغليان‏:
‏ ينكمش الماءَ بالتبريد كَما هُو الحال فِيِ أيِ سائل اخر‏,‏ وبالتاليِ تزداد كثافته ولكن إذا وصل الماءَ اليِ درجه ‏4‏ مئويه ‏,‏ فإن عمليه الانكماش تتوقف‏,‏ واذا انخفضت درجه حرارته عَن ذلِك فإن حجْمه يبدا فِيِ التمدد‏,‏ وتاخذ كثافته فِيِ الانخفاض حتّى يصل اليِ درجه الصفر المئويِ فيتجمد الماء‏,‏ وتنخفض كثافته بمقدار‏10%‏ تقريبا عَن كثافته عِند درجه ‏4‏ مئويه لازدياد حجْمه بنفس النسبه ‏.‏ ولولا هَذه الخاصيه الفريده لغاص الماءَ المتجمد عليِ هيئه جليد اليِ قيعان البحار والمحيطات فِيِ المناطق البارده ‏,‏ وجمدها بالكامل وقضيِ عليِ الحيآة فيها‏,‏ ولكان لتجمد البحار والمحيطات اثره السيء عليِ مناخ الارض‏.‏
ولذلِك كَان مِن بديع صنع الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ورائع حكمته ان عكْس القانون للماء‏,‏ فجعله أقل كثافه إذا تجمد ليطفو اليِ السطح فِيِ البحار والمحيطات والبحيرات وغيرها مِن الاسطح المائيه فِيِ المناطق البارده ‏,‏ ويعمل حاجزا عازلا للحراره ‏,‏ يحميِ الماءَ تَحْته مِن التجمد‏,‏ وبالتاليِ يحميِ الحيآة فيها مِن الهلاك‏.‏ وبالاضافه اليِ ذلِك فإن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قَد جعل للماءَ طاقه هائله عليِ اختزان الحراره ‏,‏ تعطيه استقرارا حراريا مثاليا يجعله يغليِ عِند درجه حراره ‏100‏ مئويه تَحْت الضغط الجويِ العادي‏,‏ بينما كُل المركبات الهيدروجينيه المشابهه تغليِ عِند درجات أقل بكثير‏,‏ ولولا ذلِك لما امكن وجود الماءَ فِيِ الحاله السائله عليِ سطح الارض‏.‏
ومن مظاهر الاستقرار الحراريِ للماءَ ارتفاع معامل حرارته النوعيه بمعنيِ أنه يحتاج اليِ كميات كبيرة جداً مِن الحراره حتّى يسخن‏,‏ ويحتاج اليِ وقْت طويل لكيِ يفقد حرارته‏,‏ وكذلِك ارتفاع معامليِ الحراره الكامنه للتبخر وللانصهار‏.‏ وعليِ ذلِك فإن مِن رحمه الله البالغه بعباده ان غطيِ حوالي‏71%‏ مِن مساحه سطح الارض بالماء‏,‏ والا لما كَانت صالحه للعمران لانه لَو كَان سطح الارض كله يابسه لكَانت حارقه بالنهار‏,‏ ومتجمده بالليل مما يقضيِ عليِ الحيآة قضاءَ تاما‏,‏ فمن صفات اليابسه أنها تمتص الحراره بسرعه وتفقدها بسرعه بينما الماءَ يمتصها ببطء ويفقدها ببطء‏.‏
‏(3)‏ شده تماسك وتلاصق جزئيات الماء‏:‏
ترتبط جزيئات الماءَ مَع بَعضها بَعضا بتجاذب الشحنات الكهربيه المختلفه عليِ جزيئاته القطبيه مَع بَعضها بَعضا برابطه تسميِ الرابطه الهيدروجينيه ‏,‏ ولو ان هَذه الرابطه سهله التفكك‏(‏ الانقضام‏)‏ الا أنها سريعه التكون‏,‏ ولذلِك تبدو كتله الماءَ وكأنها مكونه مِن سلاسل حلقاتها ممغنطه ومرتبطه باقطابها المختلفه إذا انفكت احدها مِن مكأنها فسرعان ما تلتئم تلك الحلقات‏,‏ وتعرف هَذه الخاصيه باسم اللزوجه الجزيئيه للماء‏,‏ وهيِ مِن أهم الصفات الموثره فِيِ ماءَ البحار والمحيطات الَّتِيِ تجعله يختلط ولا يمتزج امتزاجا كاملا ابدا‏.‏ وشده تماسك وتلاصق جزيئات الماءَ هِيِ الَّتِيِ اعطته بتدبير مِن الله‏(‏ تعالي‏)‏ العديد مِن صفاته الطبيعيه والكيميائيه مِن مِثل شده توتره السطحي‏,‏ وميله اليِ التكور عليِ ذاته عليِ هيئه قطرات بدلا مِن الانتشار الافقيِ عليِ السطح الَّذِيِ يسكب عَليه‏,‏ وفيِ تكوين ذلِك الحاجز غَير المرئيِ بَين كُل ماءين مختلفين فِيِ صفاتهما الطبيعيه والكيميائيه مِن مِثل الماءَ العذب والملح‏,‏ والماءين الملحين المتباينين‏,‏ والذيِ سماه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ فِيِ محكم كتابه باسم البرزخ‏.‏ ولما كَان ماءَ البحر يتَكون مِن أكثر من‏95%‏ ماءَ فإن صفات الماءَ العذب تبقيِ سائده فيه‏,‏ بل تزيدها الاملاح المذابه قدره عليِ ذلك‏,‏ والَّتِيِ يغلب عَليها كلوريد الصوديوم‏(‏ أو ملح الطعام‏)‏ ويليه فِيِ الكثره عناصر المغنسيوم‏,‏ والكالسيوم‏,‏ والبوتاسيوم‏,‏ والكبريت‏,‏ والبرومين‏,‏ والاسترونشيوم‏,‏ والبورون‏,‏ بالاضافه اليِ اثار طفيفه لثمانين عنصرا اخر‏,‏ تنتشر ايوناتها المشحونه بالكهرباءَ الموجبه والسالبه بتركيز متفاوت فِيِ كتل الماءَ المتجاوره فِيِ البحر الواحد أو المحيط الواحد فتعطيِ كلا مِنها صفاته الخاصه ‏,‏ وتبقيه معزولا عزلا كاملا رغم فعل التيارات البحريه والامواج‏.‏
وتظهر صوره هَذا العزل للكتل المائيه المتجاوره بشَكل اوضح بَين البحار شبه المغلقه كالبحرين الابيض المتوسط والاحمر‏,‏ حينما يتحرك الماءَ مِن احدهما اليِ المحيط المجاور فيتَكون بينهما ماءَ لَه صفات وسَطيه يفصل كلا مِن الكتلتين المائيتين فصلا كاملا‏.‏ فسبحان الَّذِيِ انزل هَذه الحقيقه العلميه فِيِ محكم كتابه مِن قَبل الف واربعمائه سنه فقال‏(‏ عز مِن قائل‏):‏
(مرج البحرين يلتقيان‏*‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏*‏ فبايِ الاءَ ربكَما تكذبان‏*‏ يخرج مِنهما اللولو والمرجان‏*‏ فبايِ الاءَ ربكَما تكذبان وهيِ حقيقه لَم يصل اليها العلم المكتسب الا فِيِ اواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ ولم تدون فِيِ كتاب قَبل منتصف الاربعينيات مِن القرن العشرين‏,‏ فسبحان الَّذِيِ انزل القران بعلمه‏,‏ وعلمه خاتم انبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بلغه وحيه اليِ يوم الدين وصليِ الله وسلم وبارك عليِ النبيِ الخاتم والرسول الخاتم الَّذِيِ تلقيِ هَذا الوحيِ الالهيِ العظيم وبلغه بامانه وعليِ اله وصحبه ومن تبع هداه اليِ يوم الدين‏.

هل رايتِم ايه واحده اعطت لنا هَذا التفسير العظيم اتمنيِ ان تقرئوها

صور ماذا تعني بينهما برزخ لا يبغيان

 

 

 

 

 

1٬198 views

ماذا تعني بينهما برزخ لا يبغيان