من قصص الف ليلة وليلة قصة السندباد البحرى , السندباد البحري

من قصص الف ليله وليله قصه السندباد البحريِ السندباد البحري

حكايه السندباد مِن الف ليله وليله

صور من قصص الف ليلة وليلة قصة السندباد البحرى , السندباد البحري

قالت: بلغنيِ أنه كَان فِيِ زمن الخليفه امير المؤمنين هارون الرشيد بمدينه بغداد رجل يقال لَه السندباد الحمال وكان رجلا فقير الحال يحمل تجارته عليِ رسه فاتفق لَه أنه حمل فِيِ يوم مِن اليام حمله ثقيله وكان ذلِك اليَوم شديد الحر فتعب مِن تلك الحمله وعرق واشتد عَليه الحر فمر عليِ باب رجل تاجر قدامه كنس ورش وهُناك هواءَ معتدل وكان بجانب الباب مصطبه عريضه فحط الحمال حملته عليِ تلك المصطبه ليستريح ويشم الهواء
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الواحده والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان الحمال لما حط حملته عليِ تلك المصطبه ليستريح ويشم الهواءَ خرج عَليه مِن ذلِك الباب نسيم رائق ورائحه ذكيه فاستلذ الحمال لذلِك وجلس عليِ جانب المصطبه فسمع فِيِ ذلِك المكان نغم اوتار وعود وصوات مطربه ونواع انشاد معربه وسمع أيضا اصوات طيور تناغيِ وتسبح الله تعاليِ باختلاف الصوات وسائر اللغات مِن قماريِ وهزار وشحارير وبلابل وفاخت وكروان.
فعِند ذلِك تعجب مِن نفْسه وطرب طربا شديدا فتقدم اليِ ذلِك فوجد داخِل البيت بستانا عظيما
ونظر فيه غلمانا وعبيدا وخداما وحشما وشيئا لا يُوجد الا عِند الملوك والسلاطين وبعد ذلِك هبت عَليه رائحه اطعمه طيبه ذكيه مِن جميع اللوان المختلفه والشراب الطيب فرفع طرفه اليِ السماءَ وقال: سبحانك يا رب يا خالق يا رزاق ترزق مِن تشاءَ بغير حساب اللهم انيِ استغفرك مِن جميع الذنوب وتوب اليك مِن العيوب يا رب لا اعترض عليك فِيِ حكمك وقدرتك فنك لا تسل عما تفعل ونت عليِ كُل شيء قدير سبحانك تغنيِ مِن تشاءَ وتعز مِن تشاءَ وتذل مِن تشاءَ لا اله الا أنت ما اعظم شنك وما اقويِ سلطانك وما احسن تدبيرك قَد انعمت عليِ مِن تشاءَ مِن عبادك فهَذا المكان صاحبه فِيِ غايه النعمه وهو متلذذ بالروائح اللطيفه والمكل اللذيذه والمشارب الفاخره فِيِ سائر الصفات وقد حكمت فِيِ خلقك بما تُريد وما قدرته عَليهم فمنهم تعبان ومنهم مستريح ومنهم سعيد ومنهم مِن هُو مِثليِ فِيِ غايه التعب والذل ونشد يقول:
فكم مِن شقيِ بلا راحه ينعم فِيِ خير فيء وظل
وصبحت فِيِ تعب زائد ومريِ عجيب وقد زاد حملي
وغيريِ سعيد بلا شقوه وما حمل الدهر يوما كحملي
ينعم فِيِ عيشه دائما ببسط وعز وشرب وكل
وكل الخلائق مِن نطفه أنا مِثل هَذا وهَذا كمثلي
ولكن شتان ما بيننا وشتان بَين خمر وخل
ولست اقول عليك افتراءَ فنت حكيم حكمت بَعدل
فلما فرغ السندباد الحمال مِن شعره ونظمه اراد ان يحمل حملته ويسير اذ قَد طلع عَليه مِن ذلِك الباب غلام صغير السن حسن الوجه مليح القد فاخر الملابس فقبض عليِ يد الحمال وقال له: ادخل كلم سيديِ فنه يدعوك فراد الحمال الامتناع عَن الدخول مَع الغلام فلم يقدر عليِ ذلِك فحط حملته عِند الباب فِيِ وسَط المكان ودخل مَع الغلام داخِل الدار فوجد دارا مليحه وعَليها انس ووقار ونظر اليِ مجلس عظيم فنظر فيه مِن السادات الكرام والمواليِ العظام وفيه مِن جميع اصناف الزهر وجميع اصناف المشموم ومن انواع النقل والفواكه وشيء كثِير مِن اصناف الطعمه النفيسه وفيه مشروب مِن خواص دواليِ الكروم وفيه الات السماع والطرب مِن اصناف الجواريِ الحسان كُل مِنهن فِيِ مقامه عليِ حسب الترتيب
وفيِ صدر ذلِك المجلس رجل عظيم محترم قَد لكزه الشيب فِيِ عوارضه وهو مليح الصوره حسن المنظر وعليه هيبه ووقار وعز وافتخار فعِند ذلِك بهت السندباد الحمال وقال فِيِ نفْسه: والله ان هَذا المكان مِن بقع الجنان أو أنه يَكون قصر ملك أو سلطان ثُم تدب وسلم عَليهم وقبل الرض بَين ايديهم ووقف وهو منكس رسه
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثانيه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد الحمال لما قَبل الرض بَين ايديهم وقف منكس الرس متخشع فذن لَه صاحب المكان بالجلوس فجلس وقد قربه اليه وصار يؤانسه بالكلام ويرحب بِه ثُم أنه قدم لَه شيئا مِن انواع الطعام المفتخر الطيب النفيس فتقدم السندباد الحمال وسميِ وكل حتّى اكتفيِ وشبع وقال: الحمد لله عليِ كُل حال ثُم أنه غسل يديه وشكرهم عليِ ذلك.
فقال صاحب المكان: مرحبا بك ونهارك مبارك فما يَكون اسمك وما تعانيِ مِن الصنائع فقال له: يا سيديِ اسميِ السندباد الحمال ونا احمل عليِ رسيِ اسباب الناس بالجره فتبسم صاحب المكان وقال له: اعلم يا حمال ان اسمك مِثل اسميِ فنا السندباد البحريِ ولكن يا حمال قصديِ ان تسمعنيِ البيات الَّتِيِ كنت تنشدها ونت عليِ الباب فاستحيِ الحمال وقال له: بالله عليك لا تؤاخذنيِ فن التعب والمشقه وقله ما فِيِ اليد تعلم النسان قله الدب والسفه
فقال له: لا تستحيِ فنت صرت اخيِ فانشد هَذه البيات فنها اعجبتنيِ لما سمعتها منك ونت تنشدها عليِ الباب فعِند ذلِك انشده الحمال تلك البيات فعجبته وطرب لسماعها وقال له: اعلم ان لِيِ قصه عجيبه وسوفَ اخبرك بجميع ما صار لِيِ وما جريِ لِيِ مِن قَبل ان اصير فِيِ هَذه السعاده واجلس فِيِ هَذا المكان الَّذِيِ ترانيِ فيه فنيِ ما وصلت اليِ هَذه السعاده وهَذا المكان الا بَعد تعب شديد ومشقه عظيمه وهوال كثِيره وكم قاسيت فِيِ الزمن الول مِن التعب والنصب وقد سافرت سبع سفرات وكل سفره لَها حكايه تحير الفكر وكل ذلِك بالقضاءَ والقدر وليس مِن المكتوب مفر ولا مهروب.
الحكايه الوليِ مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ أول السفرات اعلموا يا ساده يا كرام أنه كَان لِيِ اب تاجر وكان مِن اكابر الناس والتجار وكان عنده مال كثِير ونوال جزيل وقد مات ونا ولد صغير وخلف لِيِ مالا وعقارا وضياعا فلما كبرت وَضعت يديِ عليِ الجميع وقد اكلت اكلا مليحا وشربت شربا مليحا وعاشرت الشباب وتجملت بلبس الثياب ومشيت مَع الخلان والصحاب واعتقدت ان ذلِك يدوم لِيِ وينفعنيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده مِن الزمان ثُم انيِ رجعت اليِ عقليِ وفقت مِن غفلتيِ فوجدت ماليِ قَد مال وحاليِ قَد حال وقد ذهب جميع ما كَان عنديِ ولم استفق لنفسيِ الا ونا مرعوب مدهوش وقد تفكرت حكايه كنت اسمعها سابقا وهيِ حكايه سيدنا سليمان بن داود عَليه السلام فِيِ قوله: ثلاثه خير مِن ثلاثه يوم الممات خير مِن يوم الولاده وكلب حيِ خير مِن سبع ميت والقبر خير مِن القصر
ثم انيِ قمت وجمع ما كَان عنديِ مِن اثاث وملبوس وبعته ثُم بعت عقاريِ وجميع ما تملك يديِ فجمعت ثلاثه الاف درهم وقد خطر بباليِ السفر اليِ بلاد الناس وتذكرت كلام بَعض الشعراءَ حيثُ قال:
بقدر الكد تكتسب المعاليِ ومن طلب العلا سهر الليالي
يغوص البحر مِن طلب اللئ ويحظيِ بالسياده والنوال
ومن طلب العلا مِن غَير كد اضاع العمر فِيِ طلب المحال
فعِند ذلِك هممت فقمت واشتريت لِيِ بضاعه ومتاعا وسبابا وشيئا مِن اغراض السفر وقد سمحت لِيِ نفْسيِ بالسفر فِيِ البحر فنزلت المركب وانحدرت اليِ مدينه البصره مَع جماعه مِن التجار وسرنا فِيِ البحر اياما ولياليِ وقد مررنا بجزيره بَعد جزيره ومن بحر اليِ بحر ومن بر اليِ بر وفيِ كُل مكان مررنا بِه نبيع ونشتريِ ونقايض بالبضائع فيه وقد انطلقنا فِيِ سير البحر اليِ ان وصلنا اليِ جزيره كنها روضه مِن رياض الجنه فرسيِ بنا صاحب المركب عليِ تلك الجزيره ورميِ مراسيها وشد السقاله فنزل جميع مِن كَان فِيِ المركب فِيِ تلك الجزيره وعملوا لَهُم كوانين ووقدوا فيها النار واختلفت اشغالهم فمنهم مِن صار يطبخ ومنهم مِن صار يغسل ومنهم مِن صار يتفرج وكنت أنا مِن جمله المتفرجين فِيِ جوانب الجزيره

وقد اجتمع الركاب عليِ اكل وشرب ولهو ولعب فبينما نحن عليِ تلك الحاله وذا بصاحب المركب واقف عليِ جانبه وصاح بعليِ صوته: يا ركاب السلامه اسرعوا واطلعوا اليِ المركب وبادروا اليِ الطلوع واتركوا اسبابكم واهربوا برواحكم وفوزوا بسلامه انفسكم مِن الهلاك فن هَذه الجزيره الَّتِيِ انتم عَليها ما هِيِ جزيره ونما هِيِ سمكه كبيرة رست فِيِ وسَط البحر فبنيِ عَليها الرمل فصارت مِثل الجزيره وقد نبتت عَليها الشجار مِن قديم الزمان فلما وقدتم عَليها النار احست بالسخونه فَتحركت وفيِ هَذا الوقت تنزل بكم فِيِ البحر فتغرقون جميعا فاطلبوا النجاه لنفسكم قَبل الهلاك
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثالثه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان ريس المركب لما صاح عليِ الركاب وقال لهم: اطلبوا النجاه لنفسكم واتركوا السباب ولما سمع الركاب كلام ذلِك الريس اسرعوا وبادروا بالطلوع اليِ المركب وتركوا السباب وحوائجهم ودسوتهم وكوانينهم فمنهم مِن لحق المركب ومنهم مِن لَم يلحقه وقد تحركت تلك الجزيره ونزلت اليِ قرار البحر بجميع ما كَان عَليها وانطبق عَليها البحر العجاج المتلاطم بالمواج وكنت مِن جمله مِن تخلف فِيِ الجزيره فغرقت فِيِ البحر مَع جمله مِن غرق ولكن الله تعاليِ انقذنيِ ونجانيِ مِن الغرق ورزقنيِ بقطعه خشب كبيرة مِن القطع الَّتِيِ كَانوا يغسلون فيها فمسكتها بيديِ وركبتها مِن حلاوه الروح ورفست فِيِ الماءَ برجليِ مِثل المجاذيف والمواج تلعب بيِ يمينا وشمالا.
وقد نشر الريس قلاع المركب وسافربالذين طلع بهم فِيِ المركب ولم يلتفت لمن غرق مِنهم ومازلت انظر اليِ ذلكالمركب حتّى خفيِ عَن عينيِ ويقنت بالهلاك ودخل عليِ الليل ونا عليِ هَذه الحاله فمكثت عليِ ما أنا فيه يوما وليله وقد ساعدنيِ الريح والمواج اليِ ان رست بيِ تَحْت جزيره عاليه وفيها اشجار مطله عليِ البحر فمسكت فرعا مِن شجره عاليه وتعلقت بِه بَعدما اشرفت عليِ الهلاك وتمسكت بِه اليِ ان طلعت اليِ الجزيره فوجدت فِيِ رجليِ خدلا وثر اكل السمك فِيِ بطونهما ولم اشعر بذلِك مِن شده ما كنت فيه مِن الكرب والتعب وقد ارتميت فِيِ الجزيره ونا مِثل الميت وغبت عَن وجوديِ وغرقت فِيِ دهشتيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله اليِ ثانيِ يوم
وقد طلعت الشمس عليِ وانتبهت فِيِ الجزيره فوجدت رجليِ قَد ورمتا فسرت حزينا عليِ ما أنا فيه فتاره ازحف وتاره احبو عليِ ركبيِ وكان فِيِ الجزيره فواكه كثِيره وعيون ماءَ عذب فصرت اكل مِن تلك الفواكه ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده ايام وليال فانتعشت نفْسيِ وردت لِيِ روحيِ وقويت حركتيِ وصرت اتفكر ومشيِ فِيِ جانب الجزيره وتفرج بَين الشجار مما خلق الله تعالى
وقد عملت لِيِ عكازا مِن تلك الشجار اتوكا عَليه ولم ازل عليِ هَذه الحاله اليِ ان تمشيت يوما مِن اليام فِيِ جانب الجزيره فلاح لِيِ شبح مِن بعيد فظننت أنه وحش أو أنه دابه مِن دواب البحر فتمشيت اليِ نحوه ولم ازل اتفرج عَليه وذا هُو فرس عظيم المنظر مربوط فِيِ جانب الجزيره عليِ شاطئ البحر فدنوت مِنه فصرخ عليِ صرخه عظيمه فارتعبت مِنه وردت ان ارجع وذا برجل خرج مِن تَحْت الرض وصاح عليِ واتبعنيِ وقال لي: مِن أنت ومن أين جئت وما سَبب وصولك اليِ هَذا المكان فقلت له: يا سيديِ اعلم انيِ رجل غريب وكنت فِيِ مركب وغرقت أنا وبعض مِن كَان فيها فرزقنيِ الله بقطعه خشب فركبتها وعامت بيِ اليِ ان رمتنيِ المواج فِيِ هَذه الجزيره

فلما سمع كلاميِ امسكنيِ مِن يديِ وقال لي: امش معيِ فنزل بيِ فِيِ سرداب تَحْت الرض ودخل بيِ اليِ قاعه كبيرة تَحْت الرض وجلسنيِ فِيِ صدر تلك القاعه وجاءَ لِيِ بشيء مِن الطعام ونا كنت جائعا فكلت حتّى شبعت واكتفيت وارتاحت نفْسيِ ثُم أنه سلنيِ عَن حاليِ وما جريِ لِيِ فخبرته بجميع ما كَان مِن امريِ مِن المبتدا اليِ المنتهيِ فتعجب مِن قصتي.
فلما فرغت مِن حكايتيِ قلت: بالله عليك ياسيديِ لا تؤاخذنيِ فنا قَد اخبرتك بحقيقه حاليِ وما جريِ لِيِ ونا اشتهيِ منك ان تخبرنيِ مِن أنت وما سَبب جلوسك فِيِ هَذه القاعه الَّتِيِ تَحْت الرض وما سَبب ربطك هَذه الفرس عليِ جانب البحر.
فقال لِيِ اعلم اننا جماعه متفرقون فِيِ هَذه الجزيره عليِ جوانبها ونحن سياس الملك المهرجان وتحت ايدينا جميع خيوله وفيِ كُل شهر عِند القمر نتيِ بالخيل الجياد ونربطها فِيِ هَذه الجزيره مِن كُل بكر ونختفيِ فِيِ هَذه القاعه تَحْت الرض حتّى لا يرانا أحد فيجيء حصان مِن خيول البحر عليِ رائحه تلك الخيل ويطلع عليِ البر فلم ير احدا فيثب عَليها ويقضيِ مِنها حاجته وينزل عنها ويريد اخذها معه فلا تقدر ان تسير معه مِن الرباط فيصيح عَليه ويضربها برسه ورجليه ويصيح فنسمع صوته فنعلم أنه نزل عنها فنطلع صارخين عَليه فيخاف وينزل البحر والفرس تحمل وتلد مهرا أو مهره تساويِ خزنه مال ولا يُوجد لَها نظير عليِ وجه الرض وهَذا وقْت طلوع الحصان ون شاءَ الله تعاليِ اخذك معيِ اليِ الملك المهرجان
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الرابعه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السايس قال للسندباد البحريِ اخذك معيِ اليِ الملك المهرجان وفرجك عليِ بلادنا واعلم أنه لولا اجتماعك علينا ما كنت تريِ احدا فِيِ هَذا المكان غَيرنا وكنت تموت كمدا ولا يدريِ بك أحد ولكن أنا اكون سَبب حياتك ورجوعك اليِ بلادك فدعوت لَه وشكرته عليِ فضله وحسانه فبينما نحن فِيِ هَذا الكلام وذا بالحصان قَد طلع مِن البحر وصرخ صرخه عظيمه ثُم وثب عليِ الفرس فلما فرغ مِنها نزل عنها وراد اخذها معه فلم يقدر ورفست وصاحت عَليه فخذ الرجل السايس سيفا بيده ودرقه وطلع مِن باب تلك القاعه وهو يصيح عليِ رفقته ويقول اطلعوا اليِ الحصان ويضرب بالسيف عليِ الدرقه فجاءَ جماعه بالرماح صارخين فجفل مِنهم الحصان وراح اليِ حال سبيله ونزل فِيِ البحر مِثل الجاموس وغاب تَحْت الماء
فعِند ذلِك جلس الرجل قلِيلا وذا هُو بصحابه قَد جاؤه ومع كُل واحد فرس يقودها فنظرونيِ عنده فسلونيِ عَن امريِ فخبرتهم بما حكيته لَو وقربوا منيِ ومدوا السماط وكلوا وعزمونيِ فكلت معهم ثُم أنهم قاموا وركبوا الخيول وخذونيِ اليِ مدينه الملك المهرجان وقد دخلوا عَليه وعلموه بقصتيِ فطلبنيِ فدخلونيِ عَليه ووقفونيِ بَين يديه فسلمت عَليه فرد عليِ السلام ورحب بيِ وحيانيِ بكرام وسلنيِ عَن حاليِ فخبرته بجيع ما حصل لِيِ وبكل ما ريته مِن المبتدا اليِ المنتهى.
فعِند ذلِك تعجب مما وقع لِيِ ومما جريِ لِيِ فعِند ذلِك قال لِيِ يا ولديِ والله لقد حصل لك مزيد السلامه ولولا طول عمرك ما نجوت مِن هَذه الشدائد ولكن الحمد لله عليِ السلامه ثُم أنه احسن اليِ وكرمنيِ وقربنيِ اليه وصار يؤانسنيِ بالكلام والملاطفه وجعلنيِ عنده عاملا فِيِ ميناءَ البحر وكاتبا عليِ كُل مركب عَبر اليِ البر وصرت واقفا عنده لقضيِ لَه مصالحه وهو يحسن اليِ وينفعنيِ مِن كُل جانب وقد كسانيِ كسوه مليحه فاخره وصرت مقدما عنده فِيِ الشفاعات وقضاءَ مصالح الناس ولم ازل عنده مده طويله

ونا كلما اشق عليِ جانب البحر اسل التجار والمسافرين والبحريين عَن ناحيه مدينه بغداد لعل احدا يخبرنيِ عنها فروح معه اليها وعود اليِ بلاديِ فلم يعرفها أحد ولم يعرف مِن يروح اليها وقد تحيرت فِيِ ذلِك وسئمت مِن طول الغربه ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده مِن الزمان اليِ ان جئت يوما مِن اليام ودخلت عليِ الملك المهرجان فوجدت عنده جماعه مِن الهنود فسلمت عَليهم فردوا عليِ السلام ورحبوا بيِ وقد سلونيِ عَن بلاديِ فذكرتها لَهُم وسلتهم عَن بلادهم ذركوا لِيِ أنهم اجناس مختلفه فمنهم الشاركيه وهم اشرف اجناسهم لا يظلمون احدا ولا يقهرونه.
ومنهم جماعه تسميِ البراهمه وهم قوم لا يشربون الخمر ابدا ونما هُم اصحاب حظ وصفاءَ ولهو وطرب وجمال وخيول ومواشيِ وعلمونيِ ان صنف الهنود يفترق عليِ اثنين وسبعين فرقه فتعجبت مِن ذلِك غايه العجب.
وريت فِيِ مملكه المهرجان جزيره مِن جمله الجزائر يقال لَها كابل يسمع فيها ضرب الدفوف والطبول طول الليل وقد اخبرنا اصحاب الجزائر والمسافرين أنهم اصحاب الجد والري
وريت فِيِ البحر سمكه طولها مائتا ذراع وريت أيضا سمكا وجهه مِثل وجه البوم وريت فِيِ تلك السفره كثِيرا مِن العجائب والغرائب مما لَو حكيته لكُم لطال شرحه ولم ازل اتفرج عليِ تلك الجزائر وما فيها اليِ ان وقفت يوما مِن اليام عليِ جانب البحر وفيِ يديِ عكاز حسب عاداتيِ وذا بمركب قَد اقبل وفيه تجار كثِيرون.
فلما وصل اليِ ميناءَ المدينه وفرضته وطويِ الريس قلوعه ورسله عليِ البر ومد السقاله واطلع البحريه جميع ما كَان فِيِ ذلِك المركب اليِ البر وبطوا فِيِ تطليعه ونا واقف اكتب عَليهم فقلت لصاحب المركب هَل بقيِ فِيِ مركبك شيء فقال نعم يا سيديِ معيِ بضائع فِيِ بطن المركب ولكن صاحبها غرق معنا فِيِ البحر فِيِ بَعض الجزائر ونحن قادمون فِيِ البحر ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الخامسه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان الريس قال للسندباد البحريِ ان صاحب هَذه البضائع غرق وصارت بضائعه معنا فغرضنا اننا نبيعها ونخذ ثمِنها لجل ان نوصله اليِ اهله فِيِ مدينه بغداد دار السلام فقلت للريس ما يَكون اسم ذلِك الرجل صاحب البضائع فقال اسمه السندباد البحريِ وقد غرق معنا فِيِ البحر
فلما سمعت كلامه حققت النظر فيه فعرفته وصرخت عَليه صرخه عظيمه وقلت يا ريس اعلم انيِ أنا صاحب البضائع الَّتِيِ ذكرتها ونا السندباد البحريِ الَّذِيِ نزلت مِن المركب فِيِ الجزيره مَع جمله مِن نزل مِن التجار ولما تحركت السمكه الَّتِيِ كنا عَليها وصحت اتت علينا طلع مِن طلع وغرق الباقيِ وكنت أنا مِن جمله مِن غرق ولكن الله تعاليِ سلمنيِ ونجانيِ مِن الغرق بقطعه كبيرة مِن القطع الَّتِيِ كَان الركاب يغسلون فيها
فركبتها وصرت ارفس برجليِ وساعدنيِ الريح والموج اليِ ان وصلت اليِ هَذه الجزيره فطلعت فيها وعاننيِ الله تعاليِ بسياس الملك المهرجان فخبرته بقصتيِ فنعم عليِ وجعلنيِ كاتبا عليِ ميناءَ هَذه المدينه فصرت انتفع بخدمته وصار لِيِ عنده قبول وهَذه البضائع الَّتِيِ معك بضائعيِ ورزقيِ قال الريس لا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم ما بقيِ لحد امانه ولا ذمه فقلت لَه يا ريس ما سَبب ذلِك ونك سمعتنيِ اخبرتك بقصتيِ فقال الريس لنك سمعتنيِ اقول ان معيِ بضائع صاحبها غرق فتريد ان تخذها بلا حق وهَذا حرام عليك فننا ريناه لما غرق وكان معه جماعه مِن الركاب كثِيرون وما نجا مِنهم أحد فكيف تدعيِ انك أنت صاحب البضائع.
فقلت لَه يا ريس اسمع قصتيِ وافهم كلاميِ يظهر لك صدقيِ فن الكذب سيمه المنافقين ثُم انيِ حكيت للريس جميع ما كَان منيِ مِن حين خرجت معه مِن مدينه بغداد اليِ ان وصلنا تلك الجزيره الَّتِيِ غرقنا فيها وخبرته ببعض احوال جرت بينيِ وبينه فعِند ذلِك تحقق الريس والتجار مِن صدقيِ فعرفونيِ وهنونيِ بالسلامه وقالوا جميعا والله ما كنا نصدق بنك نجوت مِن الغرق ولكن رزقك الله عمرا جديدا ثُم أنهم اعطونيِ البضائع فوجدت اسميِ مكتوبا عَليها ولم ينقص مِنها شيء ففتحتها وخرجت مِنها شيئا نفيسا غاليِ الثمن وحملته معيِ بحريه المركب وطلعت بِه اليِ الملك عليِ سبيل الهديه وعلمت الملك بن هَذا المركب الَّذِيِ كنت فيه وخبرته ان بضائعيِ وصلت اليِ بالتمام والكمال ون هَذه الهديه مِنها.
فتعجب الملك مِن ذلِك المر غايه العجب وظهر لَه صدقيِ فِيِ جميع ما قلته وقد احبنيِ محبه شديده وكرمنيِ اكراما زائدا ووهب لِيِ شيئا كثِيرا فِيِ نظير هديتيِ ثُم بعت حمولتيِ وما كَان معيِ مِن البضائع وكسبت فيها شيئا كثِيرا واشتريت بضاعه وسبابا ومتاعا مِن تلك المدينه

ولما اراد تجار المركب السفر شحنت جميع ما كَان معيِ فِيِ المركب ودخلت عِند الملك وشكرته عليِ فضله وحسانه ثُم استذنته فِيِ السفر اليِ بلاديِ وهليِ فودعنيِ وعطانيِ شيئا كثِيرا عِند سفريِ مِن متاع تلك المدينه فودعته ونزلت المركب وسافرنا بذن الله تعاليِ وخدمنا السعد وساعدتنا المقادير ولم نزل مسافرين ليلا ونهارا اليِ ان وصلنا بالسلامه اليِ مدينه البصره وطلعنا اليها وقمنا فيها زمنا قلِيلا وقد فرحت بسلامتيِ وعودتيِ اليِ بلادي.
وبعد ذلِك توجهت اليِ مدينه بغداد دار السلام ومعيِ الحمول والمتاع والسباب شيء كثِير لَه قيمه عظيمه ثُم جئت اليِ حارتيِ ودخلت بيتيِ وقد جاءَ جميع اهليِ وصحابيِ ثُم انيِ اشتريت لِيِ خدما وحشما ومماليك وسراريِ وعبيدا حتّى صار عنديِ شيء كثِير واشتريت لِيِ دورا وماكن وعقارا أكثر مِن الول ثُم انيِ عاشرت الصحاب ورافقت الخلان وصرت أكثر مما كنت عَليه فِيِ الزمن الول ونسيت جميع ما كنت قاسيت مِن التعب والغربه والمشقه وهوال السفر واشتغلت باللذَات والمسرات والمكل الطيبه والمشارب النفيسه ولم ازل عليِ هَذه الحاله
وهَذا ما كَان فِيِ أول سفراتيِ وفيِ غد ان شاءَ الله تعاليِ احكيِ لكُم الثانيه مِن السبع سفرات.
ثم ان السندباد البحريِ عشيِ السندباد البريِ عنده ومر لَه بمائه مثقال ذهبا وقال لَه انستنا فِيِ هَذا النهار فشكره الحمال وخذ معه ما وهبه لَه وانصرف اليِ حال سبيله وهو متفكر فيما يقع وما يجريِ للناس ويتعجب غايه العجب ونام تلك الليله فِيِ منزله.
ولما اصبح الصباح جاءَ اليِ بيت السندباد البحريِ ودخل عنده فرحب بِه وكرمه وجلسه عنده ولما حضر بقيه اصحابه قدم لَهُم الطعام والشراب وقد صفا لَهُم الوقت وحصل لَهُم الطرب فبدا السندباد البحريِ بالكلام وقال اعلموا يا اخوانيِ اننيِ كنت فِيِ الذ عيش وصفيِ سرور عليِ ما تقدم ذكره لكُم بالمس
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
الحكايه الثانيه مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ السفره الثانيه
وفيِ الليله السادسه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما اجتمع عنده اصحابه قال لَهُم انيِ كنت فِيِ الذ عيش اليِ ان خطر بباليِ يوما مِن اليام السفر اليِ بلاد الناس واشتاقت نفْسيِ اليِ التجاره والتفرج فِيِ البلدان والجزر واكتساب المعاش فهممت فِيِ ذلِك المر وخرجت مِن ماليِ شيئا كثِيرا اشتريت بِه بضائع وسبابا تصلح للسفر وحزمتها وجئت اليِ الاسحل فوجدت مركبا مليحا جديدا وله قلع قماش مليح وهو كثِير الرجال زائد العده ونزلت حمولتيِ فيه أنا وجماعه مِن التجار وقد سافرنا فِيِ ذلِك النهار وطاب لنا السفر ولم نزل مِن بحر اليِ بحر ومن جزيره اليِ جزيره وكل محل رسونا عَليه نقابل التجار ورباب الدوله والبائعين والمشترين ونبيع ونشتريِ ونقايض بالبضائع فيه.
ولم نزل عليِ هَذه الحاله اليِ ان القتنا المقادير عليِ جزيره كثِيره الشجار يانعه الثمار فائحه الزهار مترنمه الطيار صافيه النهار ولكن ليس بها ديار ولا نافخ نار فرسيِ بنا الريس عليِ تلك الجزيره وقد طلع التجار والركاب اليِ تلك الجزيره يتفرجون عليِ ما بها مِن الشجار والطيار ويسبحون الله الواحد القهار ويتعجبون مِن قدره الملك الجبار فعِند ذلِك طلعت اليِ الجزيره مَع جمله مِن طلع وجلست عليِ عين ماءَ صاف بَين الشجار وكان معيِ شيء مِن المكل فجلست فِيِ هَذا المكان اكل ما قسم الله تعاليِ لِيِ وقد طاب النسيم بذلِك المكان وصفا لِيِ الوقت فخذتنيِ سنه مِن النوم فارتحت فِيِ ذلِك المكان وقد استغرقت فِيِ النوم وتلذذت بذلِك النسيم الطيب والروائح الزكيه ثُم انيِ قمت فلم اجد احدا لا مِن التجار ولا مِن البحريه فتركونيِ فِيِ الجزيره وقد التفت فيها يمينا وشمالا فلم اجد بها أحد غَيريِ فحصل عنديِ قهر شديد ما عَليه مِن مزيد وكادت مرارتيِ تنفقع مِن شده ما أنا فيه مِن الغم والحزن والتعب ولم يكن معيِ شيء مِن حطام الدنيا ولا مِن المكل ولا مِن المشرب وصرت وحيدا وقد تعبت فِيِ نفْسيِ ويئست مِن الحيآة وبعد ذلِك قمت عليِ حيليِ وتمشيت فِيِ الجزيره يمينا وشمالا وصرت لا استطيع الجلوس فِيِ محل واحد ثُم انيِ صعدت عليِ شجره عاليه وصرت انظر مِن فَوقها يمينا وشمالا فلم ار غَير سماءَ وماءَ وشجار وطيار وجزر ورمال ثُم حققت النظر فلاح لِيِ فِيِ الجزيره شيء ابيض عظيم الخلقه فنزلت مِن فَوق الشجره وقصدته وصرت امشيِ اليِ ناحيته ولم ازل سائرا اليِ ان وصلت غليه وذا بِه قبه كبيرة بيضاءَ شاهقه فيالعلو كبيرة الدائره فدنوت مِنها ودرت حولها فلم اجد لَها بابا ولم اجد لِيِ قوه ولا حركه فِيِ الصعود عَليها مِن شده النعومه فعلمت مكان وقوفيِ ودرت حَول القبه اقيس دائرتها فذا هِيِ خمسون خطوه وافيه فصرت متفكرا فِيِ الحيله الموصله اليِ دخولها وقد قرب زوال النهار وغروب الشمس وذا بالشمس قَد خفيت والجو قَد اظلم واحتجبت الشمس عنيِ ظننت أنه جاءَ عليِ الشمس غمامه وكان ذلِك فِيِ زمن الصيف فتعجبت ورفعت رسيِ وتملت فِيِ ذلِك فريت طيرا عظيم الخلقه كبير الجثه عريض الجنحه طائرا فِيِ الجو وهو الَّذِيِ غطيِ عين الشمس وحجبها عَن الجزيره فازددت مِن ذلِك عجبا ثُم انيِ تذكرت حكايه
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله السابعه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما زاد تعجبه مِن الطائر الَّذِيِ ره فِيِ الجزيره تذكر حكايه اخبره بها قديما اهل السياحه والمسافرون وهيِ ان فِيِ بَعض الجزائر طيرا عظيما يقال لَه الرخ يزق اولاده بالفيال فَتحققت ان القبه الَّتِيِ ريتها إنما هِيِ بيضه مِن بيض الرخ ثُم انيِ تعجبت مِن خلق الله تعاليِ فبينما أنا عليِ هَذه الحاله وذا بذلِك الطير نزل عليِ تلك القبه وحضنها بجناحيه وقد مد رجليه مِن خَلفه عليِ الرض ونام عَليها فسبحان مِن لا ينام فعِند ذلِك فككت عمامتيِ مِن فَوق رسيِ وثنيتها وفتلتها حتّى صارت مِثل الحبل وتحزمت بها وشددت وسَطيِ وربطت نفْسيِ فِيِ رجليِ ذلِك الطير وشددتها شدا وثيقا وقلت فِيِ نفْسيِ لعل هَذا يوصلنيِ اليِ بلاد المدن والعمار ويَكون ذلِك احسن مِن جلوسيِ فِيِ هَذه الجزيره وبت تلك الليله ساهرا خوفا مِن ان انام فيطير بيِ عليِ حين غفله
فلما طلع الفجر وبان الصباح قام الطائر مِن عليِ بيضته وصاح صيحه عظيمه وارتفع بيِ اليِ الجو حتّى ظننت أنه وصل اليِ عنان السماءَ وبعد ذلِك تنازل بيِ حتّى نزل اليِ الرض وحط عليِ مكان مرتفع عال فلما وصلت اليِ الرض اسرعت وفككت الرباط مِن رجليه ونا انتفض مشيت فِيِ ذلِك المكان ثُم أنه اخذ شيئا مِن عليِ وجه الرض فِيِ مخالبه وطار اليِ عنان السماءَ فتملته فذا هُو حيه عظيمه الخلقه كبيرة الجسم قَد اخذها وذهب بها اليِ البحر فتعجبت مِن ذلِك ثُم انيِ تمشيت فِيِ ذلِك المكان فوجدت نفْسيِ فِيِ مكان عال وتحته واد كبير واسع عميق وبجانبه جبل عظيم شاهق فِيِ العلو لا يقدر أحد ان يريِ اعلاه مِن فرط علوه وليس لحد قدره عليِ الطلوع فَوقه فلمت نفْسيِ عليِ ما فعلته وقلت يا ليتنيِ مكثت فِيِ الجزيره فنها احسن مِن هَذا المكان القفر لَن الجزيره كَان يُوجد فيها شيء اكله مِن اصناف الفواكه وشرب مِن أنهارها وهَذا المكان ليس فيه اشجار ولا اثمار ولا أنهار فلا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم أنا كُل ما اخلص مِن مصيبه اقع فيما هُو اعظم مِنها وشد.
ثم انيِ قمت وقويت نفْسيِ ومشيت فِيِ ذلِك الواديِ فريت ارضه مِن حجر اللماس الَّذِيِ يثقبون بِه المعادن والجواهر ويثقبون بِه الصينيِ والجزع مِنه شيئا ولا ان يكسره الا بحجر الرصاص وكل تلك الواديِ حيات وفاع وكل واحده مِثل النخله ومن اعظم خلقتها لَو جاءها فيل لابتلعته وتلك الحيات يظهرن فِيِ الليل ويختفين فِيِ النهار خوفا مِن طير الرخ والنسر ان يختطفها ويقطعها ولا ادريِ ما سَبب ذلك.
فقمت بتلك الواديِ ونا متندم عليِ ما فعلته وقلت فِيِ نفْسيِ والله انيِ قَد عجلت بالهلاك عليِ نفْسيِ وقد وليِ النهار عليِ فصرت امشيِ فِيِ تلك الواديِ والتفت عليِ محل ابيت فيه ونا خائف مِن تلك الحيات ونسيت اكليِ وشربيِ ومعاشيِ واشتغلت بنفسيِ فلاح لِيِ مغاره بالقرب منيِ فمشيت فوجدت بابها ضيقا فدخلتها ونظرت اليِ حجر كبير عِند بابها فدفعته وسددت بِه باب تلك المغاره ونا داخِلها وقلت فِيِ نفْسيِ قَد امنت لما دخلت فِيِ هَذا المكان ون طلع النهار اطلع ونظر ما تفعل القدره

ثم التفت فِيِ داخِل المغاره فريت حيه عظيمه نائمه فِيِ صدر المغاره عليِ بيضها فاقشعر بدنيِ وقمت رسيِ وسلمت امريِ للقضاءَ والقدر وبت ساهرا طوال الليل اليِ ان طلع الفجر ولاح فزحت الحجر الَّذِيِ سددت بِه باب المغاره وخرجت مِنه ونا مِثل السكران دائخ مِن شده السهر والجوع والخوف وتمشيت فِيِ الوادي.
وبينما أنا عليِ هَذه الحاله وذا بذبيحه قَد سقطت مِن قداميِ ولم اجد احدا فتعجبت مِن ذلِك اشد العجب وتفكرت حكايه اسمعها مِن قديم الزمان مِن بَعض التجار والمسافرين وهل السياحه ان فِيِ جبال حجر اللماس الهوال العظيمه ولا يقدر أحد ان يسلك اليه ولكن التجار الَّذِين يجلبونه يعملون حيله فِيِ الوصول اليه ويخذون الشاه مِن الغنم ويذبحونها ويسلخونها ويرشون لحمها ويرمونه مِن اعليِ ذلِك الجبل اليِ ارض الواديِ فتنزل وهيِ طريه فيلتصق بها شيء مِن هَذه الحجاره ثُم تتركها التجار اليِ نصف النهار فتنزل الطيور مِن النسور والريخ اليِ ذلِك اللحم وتخذه فِيِ مخالبها وتصعد اليِ اعليِ الجبل فيتيها التجار وتصيح عَليها وتصير مِن عِند ذلِك اللحم وتخلص مِنه الحجاره اللاصقه بِه ويتركون اللحم للطيور والوحوش ويحملون الحجاره اليِ بلادهم ولا أحد يقدر ان يتوصل اليِ مجيء حجر اللماس الا بهَذه الحيله

ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثامنه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ صار يحكيِ لصحابه جميع ما حصل لَه فِيِ جبل الماس ويخبرهم ان التجار لا يقدرون عليِ مجيء شيء مِنه الا بحيله مِثل الَّذِيِ ذكره ثُم قال فلما نظرت اليِ تلك الذبيحه تذكرت هَذه الحكايه قمت وجئت عِند الذبيحه فنقيت مِن هَذه الحجاره شيئا كثِيرا ودخلته فِيِ جيبيِ وبين ثيابيِ وصرت انقيِ ودخل فِيِ جيوبيِ وحزاميِ وعمامتيِ وبين حوائجيِ فبينما أنا عليِ هَذه الحاله وذا بذبيحه كبيرة فربطت نفْسيِ عَليها ونمت عليِ ظهريِ وجعلتها عليِ صدريِ ونا قابض عَليها فصارت عاليه عليِ الرض وذا بنسر نزل عليِ تلك الذبيحه وقبض عَليها بمخالبه وقلع بها اليِ الجو ونا معلق بها ولم يزل طائرا بها اليِ ان صعد بها اليِ اعليِ الجبل وحطها وراد ان ينهش مِنها وذا بصيحه عظيمه عاليه مِن خَلف ذلِك النسر وشيء يخبط بالخشب عليِ ذلِك الجبل فجفل النسر وطار اليِ الجو ففككت نفْسيِ مِن الذبيحه وقد تلوثت ثيابيِ مِن دمها ووقفت بجانبها وذا بذلِك التاجر الَّذِيِ صاح عليِ النسر تقدم اليِ الذبيحه فرنيِ واقفا فلم يكلمنيِ وقد فزع منيِ وارتعب وتيِ الذبيحه وقلبها فلم يجد فيها شيئا فصاح صيحه عظيمه وقال واخيبتاه لا حَول ولا قوه الا بالله نعوذ بالله مِن الشيطان الرجيم وهو يتندم ويخبط كفا عليِ كف ويقول واحسرتاه أيِ شيء هَذا الحال..
فتقدمت اليه فقال لي: مِن أنت وما سَبب مجيئك اليِ هَذا المكان فقلت له: لا تخف ولا تخش فنيِ انسيِ مِن خيار النس وكنت تاجرا وليِ حكايه عظيمه وقصه غريبه وسَبب وصوليِ اليِ هَذا الجبل وهَذا الواديِ حكايه عجيبه فلا تخف فلك ما يسرك منيِ ونا معيِ شيء كثِير مِن حجر اللماس فعطيك مِنه شيئا يكفيك وكل قطعه معيِ احسن مِن كُل شيء يتيك فلا تجزع ولا تخف.
فعِند ذلِك شكرنيِ الرجل ودعا لِيِ وتحدث معيِ وذا بالتجار سمعوا كلاميِ مَع رفيقهم فجاؤوا اليِ وكان كُل تاجر رميِ ذبيحته فلما قدموا علينا سلموا علينا وهنؤونيِ بالسلامه وخذونيِ معهم وعلمتهم بجميع قصتيِ وما قاسيته فِيِ سفرتيِ وخبرتهم بسَبب وصوليِ اليِ هَذه الواديِ ثُم انيِ اعطيت لصاحب الذبيحه الَّتِيِ تعلقت فيها شيئا كثِيرا مما كَان معيِ ففرح بيِ جداً فما أحد وصل اليِ هَذا المكان قَبلك ونجا مِنه ولكن الحمد لله عليِ بسلامتيِ ونجاتيِ مِن واديِ الحيات ووصوليِ اليِ بلاد العمار.
ولما طلع النهار قمنا وسرنا عليِ ذلِك الجبل العظيم وصرنا ننظر فِيِ ذلِك الجبل حيات كثِيره ولم نزل سائرين اليِ ان اتينا بستانا فِيِ جزيره عظيمه مليحه وفيها شجر الكافور وكل شجره مِنها يستظل تَحْتها انسان وذا اراد ان يخذ مِنه أحد يثقب مِن اعليِ الشجره ثقبا بشيء طويل ويتلقيِ ما ينزل مِنه فيسيل مِنه ماءَ الكافور ويعقد مِثل الشمع وهو عسل ذلِك الشجر وبعد ذلِك تيبس الشجره وتصير حطبا.
وفيِ تلك الجزيره صنف مِن الوحوش يقال لَه الكركدن يرعيِ فيها رعيا مِثل ما يرعيِ البقر والجاموس فِيِ بلادنا ولكن جسم ذلِك الوحش اكبر مِن جسم الجمل ويكل العلق وهو دابه عظيمه لَها قرن واحد غليظ فِيِ وسَط رسها طوله قدر عشره اذرع وفيه صوره انسان وفيِ تلك الجزيره شيء مِن صنف البقر.
وقد قال لنا البحريون المسافرون وهل السياحه فِيِ الجبال والراضيِ ان هَذا الوحش المسميِ بالكركدن يحمل الفيل الكبيرعليِ قرنه ويرعيِ بِه فِيِ الجزيره والسواحل ولا يشعر بِه ويموت الفيل عليِ قرنه ويسيح دهنه مِن حر الشمس عليِ رسه ويدخل فِيِ عينيه فيعميِ فيرقد فِيِ جانب السواحل فيجيء لَه طير الريخ فيحمله فِيِ مخالبه ويروح بِه عِند اولاده ويزقهم بِه وبما عليِ قرنه وقد ريت فِيِ تلك الجزيره شيئا كثِيرا مِن صنف الجاموس ليس لَه عندنا نظير وفيِ تلك الواديِ شيء كثِير مِن حجر الماس الَّذِيِ حملته معيِ وخبته فِيِ جيبيِ وقايضونيِ عَليه ببضائع ومتاع مِن عندهم وحملوها لِيِ عهم وعطونيِ دراهم ودنانير ولم ازل سائرا معهم ونا اتفرج عليِ بلاد الناس وعليِ ما خلق الله مِن واد اليِ واد ومن مدينه اليِ مدينه ونحن نبيع ونشتريِ اليِ ان وصلنا اليِ مدينه البصره وقمنا بها اياما قلائل ثُم جئت اليِ مدينه بغداد
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله التاسعه والثلاثين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما رجع مِن غيبته ودخل مدينه بغداد دار السلام وجاءَ اليِ حارته ودخل داره ومعه مِن صنف حجر اللماس شيء كثِير ومعه مال ومتاع وبضائع لَها صوره وقد اجتمع بهله وقاربه ثُم تصدق ووهب وعطيِ وهاديِ جميع اهله وصحابه وصار يكل طيبا ويشرب طيبا ويلبس ملبسا طيبا ويعاشر ويرافق ونسيِ جميع ما قاساه ولم يزل فِيِ عيش هنيِ وصفاءَ خاطر وانشراح صدر ولعب وطرب وصار كُل مِن سمع بقدومه يجيء اليه ويسله عَن حال السفر وحوال البلاد فيخبره ويحكيِ لَه ما لقيه وما قاساه فيتعجب مِن شده ما قاساه ويهنئه بالسلامه وهَذا آخر ما جريِ لِيِ وما اتفق لِيِ فِيِ السفره الثانيه ثُم قال لَهُم وفيِ الغد ان شاءَ الله تعاليِ احكيِ لكُم حال السفره الثالثه

فلما فرغ السندباد البحريِ مِن حكايته للسندباد البريِ تعجبوا مِن ذلِك وتشعوا عنده ومر للسندباد بمائه مثقال ذهبا فخذها وتوجه اليِ حال سبيله وهو يتعجب مما قاساه السندباد البحريِ وشكره ودعا لَه فِيِ بيته ولما اصبح الصباح وضاءَ بنوره ولاح قام السندباد البريِ كَما امَره ودخل اليه وصبح عَليه فرحب بِه وجلس معه حتّى اتاه باقيِ اصحابه وجماعته فكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا وانشرحوا ثُم ابتدا السندباد البحريِ بالكلام وقال: الحكايه الثالثه مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ السفره اعلموا يا اخوانيِ واسمعوا منيِ حكايه فنها اعجب مِن الحكايات المتقدمه قَبل تاريخه والله اعلم بغيبه واحكم انيِ فيما مضيِ وتقدم لما جئت مِن السفره الثانيه ونا فِيِ غايه البسط والانشراح فرحان بالسلامه وقد كسبت مالا كثِيرا كَما حكيت لكُم امس تاريخه وقد عوض الله عليِ ما راح منيِ اقمت بمدينه بغداد مده مِن الزمان ونا فِيِ غايه الحظ والصفاءَ والبسط والانشراح فاشتاقت نفْسيِ اليِ السفر والفرجه وتشوقت اليِ المتجر والكسب والفوائد والنفس اماره بالسوء فهممت واشتريت شيئا كثِيرا مِن البضائع المناسبه لسفر البحر وحزمتها للسفر وسافرت بها مِن مدينه بغداد اليِ مدينه البصره وجئت اليِ ساحل البحر فريت مركبا عظيما وفيه تجار وركاب كثِيره اهل خير وناس ملاح طيبون اهل دين ومعروف وصلاح فنزلت معهم فِيِ ذلِك المركب وسافرنا عليِ بركه الله تعاليِ بعونه وتوفيقه وقد استبشرنا بالخير والسلامه

ولم نزل سائرين مِن بحر اليِ بحر ومن جزيره اليِ جزيره ومن مدينه اليِ مدينه وفيِ كُل مكان مررنا عَليه نتفرج ونبيع ونشتريِ ونحن فِيِ غايه الفرح والسرور اليِ ان كنا يوما مِن اليام سائرين فِيِ وسَط البحر العجاج المتلاطم بالمواج فذا بالريس وهو جانب المركب ينظر اليِ نواحيِ البحر ثُم أنه لطم وجهه وطويِ قلوع المركب ورميِ مراسيه ونتف لحيته ومزق ثيابه وصاح صيحه عظيمه فقلنا لَه يا ريس ما الخبر فقال اعلموا يا ركاب السلامه ان الريح غلب علينا وعسف بنا فِيِ وسَط البحر ورمتنا المقادير لسوء بختنا اليِ جبل القرود وما وصل اليِ هَذا المكان أحد ولم يسلم مِنه قط وقد احس قلبيِ بهلاكنا اجمعين.
فما استتم قول الريس حتّى جاءنا القرود وحاطوا المركب مِن كُل جانب وهم شيء كثِير مِثل الجراد المنتشر فِيِ المركب وعليِ البر فخفنا ان قتلنا مِنهم احدا أو طردناه ان يقتلونا لفرط كثرتهم والكثره تغلب الشجاعه وبقينا خائفين مِنهم ان ينهبوا رزقنا ومتاعنا وهم اقبح الوحوش وعليهم شعور مِثل لبد السود ورؤيتهم تفزع ولا يفهم لَهُم أحد كلاما ولا خيرا وهم مستوحشون مِن الناس صفر العيون وسود الوجوه صغار الخلقه طول كُل واحد مِنهم اربعه اشبار وقد طلعوا عليِ حبال المرساه وقطعوها بسنانهم وقطعوا جميع حبال المركب مِن كُل جانب فمال المركب مِن الريح ورسيِ عليِ جبلهم وصار المركب فِيِ برهم وقبضوا عليِ جميع التجار والركاب وطلعوا اليِ الجزيره وخذوا المركب بجميع ما كَان فيه وراحوا به
فبينما نحن فِيِ تلك الجزيره نكل مِن اثمارها وبقولها وفواكهها ونشرب مِن النهار الَّتِيِ فيها اذ لاح لنا بيت عامر فِيِ وسَط تلك الجزيره فقصدناه ومشينا اليه فذا هُو قصر مشيد الركان عاليِ السوار لَه باب بدرفتين مفتوح وهو مِن خشب البانوس فدخلنا باب ذلِك القصر فوجدنا لَه حظيرا واسعا مِثل الحوش الواسع الكبير وفيِ دائره ابواب كثِيره وفيِ صدره مصطبه عاليه كبيرة وفيها اوانيِ طبيخ معلقه عليِ الكوانين وحواليها عظام كثِيره ولم نر فيها أحد فتعجبنا مِن ذلِك غايه العجب وجلسنا فِيِ حضير ذلِك القصر
قليلا ثُم بَعد ذلِك نمنا ولم نزل نائمين مِن ضحوه النهار اليِ غروب الشمس وذ بالرض قَد ارتجت مِن تَحْتنا وسمعنا دويا مِن الجو وقد نزل علينا مِن اعليِ القصر شخص عظيم الخلقه فِيِ صفه انسان وهو اسود اللون طويل القامه كنه نحله عظيمه وله عينان كنهما شعلتان مِن نار وله انياب مِثل انياب الخنازير وله فم عظيم الخلقه مِثل البئر وله مشافر مِثل مشافر الجمل مرخيه عليِ صدره وله اذنان مِثل الحرامين مرخيتان عليِ اكتافه وظافر يديه مِثل مخالب السبع فلما نظرناه عليِ هَذه الحاله غبنا عَن وجودنا وقويِ خوفنا واشتد فزعنا وصرنا مِثل الموتيِ مِن شده الخوف والجزع والفزع.
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الربعون بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ ورفقته لما روا هَذا الشخص الهائل الصوره وحصل لَهُم غايه الخوف والفزع فلما نزل عليِ الرض جلس قلِيلا عليِ المصطبه ثُم أنه قام وجاءَ عندنا ثُم قبض عليِ يديِ مِن بَين اصحابيِ التجار ورفعنيِ بيده عَن الرض وحبسنيِ وقلبنيِ فصرت فِيِ يده مِثل اللقمه الصغيرة وصار يحبسنيِ مِثل ما يحبس الجزار ذبيحه الغنم فوجدنيِ ضعيفا مِن كثره القهر هزيلا مِن كثره التعب والسفر وليس فِيِ شيء مِن اللحم فطلقنيِ مِن يده وخذ واحدا غَيريِ مِن رفاقيِ وقلبه كَما قلبنيِ وحبسه كَما حبسنيِ وطلقه ولم يزل يحبسنا ويقلبنا واحدا بَعد واحد اليِ ان وصل اليِ ريس المركب الَّذِيِ كنا فيه وكان رجلا سمينا غليظا عريض الكتاف صاحب قوه وشده فعجبه وقبض عَليه مِثل ما يقبض الجزار عليِ ذبيحته ورماه عليِ الرض ووضع رجله عليِ رقبته وجاءَ بسيخ طويل فدخله فِيِ حلقه حتّى اخرجه مِن دبره ووقد نارا شديده وركب عَليها ذلِك السيخ المشكوك فيه الريس ولم يزل يقلبه عليِ الجمر حتّى استويِ لحمه وطلعه مِن النار وحطه أمامه وفسخه كَما يفسخ الرجل الفرخه
وصار يقطع لحمه بظافره ويكل مِنه ولم يزل عليِ هَذه الحاله حتّى اكل لحمه ونهش عظمه
ولم يبق مِنه شيئا ورميِ باقيِ العظام فِيِ جنب القصر.
ثم أنه جلس قلِيلا وانطرح ونام عليِ تلك المصطبه وصار يشخر مِثل شخير الخروف أو البهيمه المذبوحه ولم يزل نائما اليِ الصباح ثُم قام وخرج اليِ حال سبيله
فلما تحققنا بَعده تحدثنا مَع بَعضنا وبكينا عليِ ارواحنا وقلنا ليتنا غرقنا فِيِ البحر وكلتنا القرود خير مِن شويِ النسان عليِ الجمر والله ان هَذا الموت رديء ولكن ما شاءَ الله كَان ولا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم لقد متنا كمدا ولم يدر بنا أحد وما بقيِ لنا نجاه مِن هَذا المكان.
ثم اننا قمنا وخرجنا اليِ الجزيره لننظر لنا مكان نختفيِ فيه أو نهرب وقد هان علينا ان نموت ولا يشويِ لحمنا بالنار فلم نجد مكان نختفيِ فيه وقد ادركنا المساءَ فعدنا اليِ القصر مِن شده خوفنا وجلسنا قلِيلا وذا بالرض قَد ارتجفت مِن تَحْتنا وقبل ذلِك الشخص السود وجاءَ عندنا وصار يقلبنا واحدا بَعد الخر مِثل المَره الوليِ ويحبسنا حتّى اعجبه واحد.
فقبض عَليه وفعل بِه مِثل ما فعل بالريس فِيِ أول يوم فشواه وكله عليِ تلك المصطبه ولم يزل نائما فِيِ تلك الليله وهو يشخر مِثل الذبيحه فلما طلع النهار قام وراح اليِ حال سبيله وتركنا عليِ جريِ عادته فاجتمعنا وتحدثنا وقلنا لبعضنا والله لَن نلقيِ انفسنا فِيِ البحر ونموت غرقا خير مِن ان نموت حرقا لَن هَذه قتله شنيعه فقال واحد منا اسمعوا كلاميِ اننا نحتال عَليه ونرتاح مِن همه ونريح المسلمين مِن عدوانه وظلمه
فقلت لَهُم اسمعوا يا اخوانيِ ان كَان لابد مِن قتله فننا نحَول هَذا الخشب وننقل شيئا مِن هَذا الحطب ونعمل لنا فلكا مِثل المركب وبعد ذلِك نحتال فِيِ قتله وننزل فِيِ الفلك ونروح فِيِ البحر اليِ أيِ محل يُريده الله
وننا نقعد فِيِ هَذا المكان حتّى يمر علينا مركب فننزل فيه ون لَم نقدر عليِ قتله ننزل ونروح فِيِ البحر ولو كنا نغرق نرتاح مِن شوينا عليِ النار ومن الذبح ون سلمنا سلمنا ون غرقنا متنا شهداء.
فقالوا جميعا والله هَذا ريِ سديد وفعل رشيد واتفقنا عليِ هَذا المر وشرعنا فِيِ فعله فنقلنا الخشاب اليِ خارِج القصر وصنعنا فلكا وربطناه عليِ جانب البحر ونزلنا فيه شيئا مِن الزاد وعدنا اليِ القصر.
فلما كَان وقْت المساءَ إذا بالرض قَد ارتجفت بنا ودخل علينا السود وهو كنه الكلب العقور ثُم قلبنا وحبسنا واحدا بَعد واحد ثُم اخذ واحدا وفعل بِه مِثل ما فعل بسابقيه ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الواحده والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ قال ان السود اخذ واحدا منا وفعل بِه مِثل ما فعل بسابقيه وكله ونام عليِ المصطبه وصار شخيره مِثل الرعد فنهضنا وقمنا وخذنا سيخين مِن حديد مِن السياخ المنصوبه ووضعناهما فِيِ النار القويه حتّى احمرا وصارا مِثل الجمر وقبضنا عَليهما قبضا شديدا وجئنا بهما اليِ ذلِك السود وهو نائم يشخر ووضعناهما فِيِ عينيه واتكنا عَليهما جميعا بقوتنا وعزمنا فدخلناهما فِيِ عينيه وهو نائم فانطمستا وصاح صيحه عظيمه فارتعبت قلوبنا مِنه.
ثم قام مِن فَوق تلك المصطبه بعزمه وصار يفتش علينا ونحن نهرب مِنه يمينا وشمالا فلم ينظرنا وقد عميِ بصره فخفنا مِنه مخافه شديده ويسنا فِيِ تلك الساعه بالهلاك ويسنا مِن النجاه فعِند ذلِك قصد الباب وهو يتحسس وخرج مِنه وهو يصيح ونحن فِيِ غايه الرعب مِنه وذا بالرض ترتج مِن تَحْتنا مِن شده صوته.
فلما خرج مِن القصر وراح اليِ حال سبيله وهو يدور علينا ثُم أنه رجع ومعه انثيِ اكبر ووحش مِنه خلقه فلما ريناه والذيِ معه افظع حاله مِنه خفنا غايه الخوف فلما رونا اسرعنا ونهضنا ففككنا الفلك الَّذِيِ صنعناه ونزلنا فيه ودفعناه فِيِ البحر وكان مَع كُل واحد مِنهم صخره عظيمه وصارا يرجماننا بها اليِ ان مات أكثرنا مِن الرجم وبقيِ منا ثلاثه اشخاص أنا واثنان ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثانيه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما نزل فِيِ الفلك هُو وصحابه وصار يرجمهم السود ورفيقته فمات أكثرهم ولم يبق مِنهم الا ثلاثه اشخاص فطلع بهم الفلك اليِ جزيره قال فمشينا اليِ آخر النهار فدخل علينا ونحن عليِ هَذه الحاله فنمنا قلِيلا واستيقظنا مِن نومنا وذا بثعبان عظيم الخلقه كبير الجثه واسع الجوف قَد احاط بنا وقصد واحدا فبلعه اليِ اكتافه ثُم بلع باقيه فسمعنا اضلاعه تتكسر فِيِ بطنه وراح فِيِ حال سبيله فتعجبنا مِن ذلِك غايه العجب وحزنا عليِ رفيقنا وصرنا فِيِ غايه الخوف عليِ انفسنا وقلنا والله هَذا امر عجيب وكل موته اشنع مِن السابقه وكنا فرحنا بسلامتنا مِن السود فما تمت الفرحه ولا حَول ولا قوه الا بالله والله قَد نجونا مِن السود ومن الغرق فكيف تَكون نجاتنا مِن هَذه الفه المشؤومه ثُم اننا قمنا فمشينا فِيِ الجزيره وكلنا مِن ثمرها وشربنا مِن أنهارها ولم نزل فيها اليِ وقْت المساءَ فوجدنا صخره عظيمه عاليه فطلعناها ونمنا فَوقها وقد طلعت أنا عليِ فروعها.
فلما دخل الليل وظلم الوقت جاءَ الثعبان وتلفت يمينا وشمالا ثُم أنه قصد تلك الشجره الَّتِيِ نحن عَليها ومشيِ حتّى وصل اليِ رفيقيِ وبلعه حتّى اكتافه والتف بِه عليِ الشجره فسمعت عظامه تتكسر فِيِ بطنه ثُم بلعه بتمامه ونا انظر بعينيِ ثُم ان الثعبان نزل مِن فَوق الشجره وراح اليِ حال سبيله ولم ازل عليِ تلك الشجره فِيِ تلك الليله
فلما طلع النهار وبان النور ونزلت مِن فَوق الشجره ونا مِثل الميت مِن كثره الخوف والفزع وردت ان القيِ بنفسيِ فِيِ البحر وستريح مِن الدنيا فلم تهن عليِ روحيِ لَن الروح عزيزه فربطت خشبه عريضه عليِ اقداميِ بالعرض وربطت واحده مِثلها عليِ جنبيِ الشمال ومثلها عليِ جنبيِ اليمين ومثلها عليِ بطنيِ وربطت واحده طويله عريضه مِن فَوق رسيِ بالعرض مِثل الَّتِيِ تَحْت اقداميِ وصرت أنا فِيِ وسَط هَذا الخشب وهو محتاط بيِ مِن كُل جانب وقد شددت ذلِك شدا وثيقا ولقيت نفْسيِ بالجميع عليِ الرض فصرت نائما بَين تلك الخشاب وهيِ محيطه بيِ كالمقصوره

فلما امسيِ الليل اقبل الثعبان عليِ جريِ عادته ونظر اليِ وقصدنيِ فلم يقدر ان يبلغنيِ ونا عليِ تلك الحاله والخشاب حوليِ مِن كُل جانب فدار الثعبان حوليِ فلم يستطع الوصول اليِ ونا انظر بعينيِ وقد صرت كالميت مِن شده الخوف والفزع وصار الثعبان يبعد عنيِ ويعود اليِ ولم يزل عليِ هَذه الحاله وكلما اراد الوصول اليِ ليبتلعنيِ تمنعه تلك الخشاب المشدوده عليِ مِن كُل جانب ولم يزل كذلِك مِن غروب الشمس اليِ ان طلع الفجر وبان النور وشرقت الشمس فمضيِ الثعبان اليِ حال سبيله وهو فِيِ غايه مِن القهر والغيظ.
فعِند ذلِك مددت يديِ وفككت نفْسيِ مِن تلك الخشاب ونا فِيِ حكم الموات مِن شده ماقاسيت مِن ذلِك الثعبان ثُم انيِ قمت ومشيت فِيِ الجزيره حتّى انتهيت اليِ اخرها فلاحت لِيِ منيِ التفاته اليِ ناحيه البحر فريت مركبا عليِ بَعد فِيِ وسَط اللجه فخذت فرعا كبيرا مِن شجره ولوحت بِه اليِ ناحيتهم ونا اصيح عَليهم.
فلما رونيِ قالوا لابد اننا ننظر ما يَكون هَذا لعله انسان أنهم قربوا منيِ وسمعوا صياحيِ عَليهم فجاءوا اليِ وخذونيِ معهم فِيِ المركب وسلونيِ عَن حاليِ فخبرتهم بجميع ما جريِ لِيِ مِن اوله اليِ اخره وماقاسيته مِن الشدائد فتعجبوا مِن ذلِك غايه العجب ثُم أنهم البسونيِ مِن عندهم ثيابا وستروا عورتي.
وبعد ذلِك قدموا لِيِ شيئا مِن الزاد حتّى اكتفيت وسقونيِ ماءَ باردا عذبا فانتعش قلبيِ وارتاحت نفْسيِ وحصل لِيِ راحه عظيمه وحيانيِ الله تعاليِ بَعد موتيِ فحمدت الله تعاليِ عليِ نعمه الوافره وشكرته وقويت همتيِ بَعدما كنت ايقنت بالهلاك حتّى تخيل لِيِ ان جميع ما أنا فيه منام ولم نزل سائرين وقد طاب لنا الريح بذن الله تعاليِ اليِ ان اشرفنا عليِ جزيره يقال لَها جزيره السلاهطه فَوقف الريس المركب عَليها
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثالثه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان المركب الَّذِيِ نزل فيه السندباد البحريِ رسيِ عليِ جزيره فنزل مِنه جميع التجار فالتفت اليِ صاحب المركب وقال لِيِ اسمع كلاميِ أنت رجل غريب فقير وقد اخبرتنا انك قاسيت اهوالا كثِيره ومراديِ انفعك بشيء يعينك عليِ الوصول اليِ بلادك وتبقيِ تدعو لِيِ فقلت لَه نعم ولك منيِ الدعاء.
فقال اعلم أنه كَان معنا رجل مسافر فقدناه ولم نعلم هَل بالحيآة ام مات ولم نسمع عنه خبرا ومراديِ ان ادفع لك حموله لتبيعها فِيِ هَذه الجزيره وتحفظها وعطيك شيئا فِيِ نظير تعبك وخدمتك وما بقيِ مِنها نخذه اليِ ان تعود اليِ مدينه بغداد فنسل عَن اهله وندفع اليهم بقيتها وثمن ما بيع مِنها فهل لك ان تتسلمها وتنزل بها هَذه الجزيره فتبيعها مِثل التجار فقلت سمعا وطاعه لك يا سيديِ ولك الفضل والجميل ودعوت لَه وشكرته عليِ ذلِك فعِند ذلِك امر الحالين والبحريه بخراج تلك البضائع اليِ الجزيره ون يسلموها الي.
فقال كاتب المركب يا ريس ما هَذه الحمول الَّتِيِ اخرجها البحريه والحمالون واكتبها باسم مِن من التجار
فقال اكتب عَليها اسم السندباد البحريِ الَّذِيِ كَان معنا وغرق فِيِ الجزيره ولم يتنا عنه خبر فنريد ان يبيعها هَذا الغريب ونحمل ثمِنها ونعطيه شيئا مِنه نظير تعبه وبيعه والباقيِ نحمله معنا حتّى نرجع اليِ مدينه بغداد فن وجدناه اعطيناه اياه ون لَم نجده ندفعه اليِ اهله فِيِ مدينه بغداد فقال الكاتب كلامك مليح وريك رجيح
فلما سمعت كلام الريس وهو يذكر ان الحمول باسميِ قلت فِيِ نفْسيِ والله أنا السندباد البحريِ ونا غرقت فِيِ الجزيره مَع جمله مِن غرق ثُم انيِ تجلدت وصبرت اليِ ان طلع التجار مِن المركب واجتمعوا يتحدثون ويتذاكرون فِيِ امور البيع والشراءَ فتقدمت اليِ صاحب المركب وقلت لَه يا سيديِ هَل تعرف كَيف كَان صاحب الحمول الَّتِيِ سلمتها اليِ لبيعها فقال لِيِ لا اعلم لَه حالا ولكنه كَان رجلا مِن مدينه بغداد يقال لَه السندباد البحريِ وقد ارسينا عليِ جزيره مِن الجزائر فغرق منا فيها خلق كثِير وفقد بجملتهم ولم نعلم لَه خبرا اليِ هَذا الوقت.
فعِند ذلِك صرخت صرخه عظيمه وقلت لَه يا ريس السلامه اعلم انيِ أنا السندباد البحريِ لَم اغرق ولكن لما ارسيت عليِ الجزيره وطلع التجار والركاب طلعت أنا مَع جمله الناس ومعيِ شيء اكله بجانب الجزيره ثُم انيِ تلذذت بالجلوس فِيِ ذلِك المكان فخذتنيِ سنه مِن النوم فنمت وغرقت فِيِ النوم ثُم انيِ قمت فلم اجد المركب ولم اجد احدا عنديِ وهَذا المال ماليِ وهَذه البضائع بضائعيِ وجميع التجار الَّذِين يجلبون حجر اللماس رونيِ ونا فِيِ جبل اللماس ويشهدون لِيِ بنيِ أنا السندباد البحريِ كَما اخبرتهم بقصتيِ وما جريِ لِيِ معكم فِيِ المركب وخبرتكم بنكم نسيتمونيِ فِيِ الجزيره نائما وقمت فلم اجد احدا وجريِ لِيِ ما جرى.
فلما سمع التجار والركاب كلاميِ اجتمعوا عليِ فمنهم مِن صدقنيِ ومنهم مِن كذبنيِ فبينما نحن كذلِك وذا بتاجر مِن التجار حين سمعنيِ اذكر واديِ اللماس نهض وتقدم عنديِ وقال لَهُم اسمعوا يا جماعه كلاميِ انيِ لما كنت ذكرت لكُم اعجب ما ريت فِيِ اسفاريِ لما القينا الذبائح فِيِ واديِ اللماس ولقيت ذبيحتيِ معهم عليِ جريِ عادتيِ طلع عليِ ذبيحتيِ رجل متعلق بها ولم تصدقونيِ بل كذبتمونيِ فقالوا لَه نعم حكيت لنا عليِ هَذا المر ولم نصدقك فقال لَهُم التاجر هَذا الَّذِيِ تعلق فِيِ ذبيحتيِ وقد اعطانيِ شيء مِن حجر اللماس الغاليِ الثمن الَّذِيِ لا يُوجد نظيره وعوضنيِ أكثر ما كَان يطلع لِيِ فِيِ ذبيحتيِ وقد استصحبه معيِ اليِ ان وصلنا اليِ مدينه البصره وبعد ذلِك توجه اليِ بلاده وودعنا ورجعنا اليِ بلادنا وهو هَذا وعلمنا ان اسمه السندباد البحريِ وقد اخبرنا بذهاب المركب وجلوسه فِيِ هَذه الجزيره واعلموا ان هَذا الرجل ما جاءنا هُنا الا لتصدقوا كلاميِ مما قلته لكُم وهَذه البضائع كلها رزقه فنه اخبر بها فِيِ وقْت اجتماعه علينا وقد ظهر صدقه فِيِ قوله.
فلما سمع الريس كلام ذلِك التاجر قام عليِ حيله وجاءَ عنديِ وحقق فِيِ النظر ساعه وقال ما علامه بضائعك فقلت لَه اعلم ان علامه بضائعيِ ما هُو كذا وكذا وقد اخبرته بمر السندباد البحريِ فعانقنيِ وسلم عليِ وهننيِ بالسلامه وقال لِيِ يا سيديِ ان قصتك عجيبه ومرك غريب ولكن الحمد لله الَّذِيِ جمع بيننا وبينك ورد بضائعك ومالك عليك
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الرابعه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما تبين للريس والتجار أنه هُو بعينه وقال لَه الريس الحمد لله الَّذِيِ رد بضائعك ومالك عليك قال فعِند ذلِك تصرفت فِيِ بضائعيِ بمعرفتيِ وربحت بضائعيِ فِيِ تلك السفره شيئا كثِيرا وفرحت بذلِك فرحا عظيما وهنت بالسلامه وعاد ماليِ اليِ ولم نزل نبيع ونشتريِ فِيِ الجزائر اليِ ان وصلنا اليِ بلاد السندباد وبعنا فيها واشترينا وريت فِيِ ذلِك البحر شيئا كثِيرا مِن العجائب والغرائب لا تعد ولا تحصيِ ومن جمله ما ريت فِيِ ذلِك البحر سمكه عليِ صفه البقره وشيئا عليِ صفه الحمير وريت طيرا يخرج مِن صدف البحر
ويبيض ويفرخ عليِ وجه الماءَ ولا يطلع مِن البحر عليِ وجه الرض ابدا
وبعد ذلِك لَم نزل مسافرين بذن الله تعاليِ وقد طاب لنا الريح والسفر اليِ ان وصلنا اليِ اببصره وقد اقمت فيها اياما قلائل وبعد ذلِك جئت اليِ مدينه بغداد فتوجهت اليِ حارتيِ ودخلت بيتيِ وسلمت عليِ اهليِ وصحابيِ وصدقائيِ وقد فرحت بسلامتيِ وعودتيِ اليِ بلاديِ وهليِ ومدينتيِ ودياريِ وتصدقت ووهبت وكسوت الرامل واليتام
وجمعت اصحابيِ وحبابيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله فِيِ اكل وشرب ولهو وضرب ونا اكل وشر طيبا وعاشر وخالط وقد نسيت جميع ما جريِ لِيِ وما قاسيت مِن الشدائد والهوال وكسبت شيئا فِيِ هَذه السفره لا يعد ولا يحصيِ وهَذا اعجب ما ريت فِيِ هَذه السفره وفيِ غد ان شاءَ الله تعاليِ تجيء اليِ وحكيِ لك حكايه السفره الرابعه فنها اعجب مِن هَذه السفرات ثُم ان السندباد البحريِ امر بن يدفعوا اليه مائه مثقال مِن الذهب عليِ جريِ عادته ومر بمد السماط فمدوه وتعشيِ الجماعه وهم يتعجبون مِن تلك الحكايه وما جريِ فيها ثُم أنهم بَعد العشاءَ انصرفوا اليِ حال سبيلهم وقد اخذ السندباد الحمال ما امر لَه مِن الذهب وانصرف اليِ حال سبيله وهو متعجب مما سمعه مِن السندباد البحريِ وبات فِيِ بيته.
ولما اصبح الصباح وضاءَ بنوره ولاح قام السندباد الحمال وصليِ الصبح وتمشيِ اليِ السندباد البحريِ وقد دخل عَليه وتلقاه بالفرح والانشراح وجلسه عنده اليِ ان حضر بقيه اصحابه وقدموا الطعام فكلوا وشربوا وانبسطوا فبدهم بالكلام وحكيِ لَهُم الحكايه الرابعه

الحكايه الرابعه مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ السفره الرابعه قال السندباد البحري: اعلموا يا اخوانيِ انيِ لما عدت اليِ مدينه بغداد واجتمعت عليِ اصحابيِ وحبابيِ وصرت فِيِ اعظم ما يَكون مِن الهناءَ والسرور والراحه وقد نسيت ما كنت فيه لكثره الفوائد وغرقت فِيِ اللهو والطرب ومجالسه الحباب والصحاب ونا فِيِ الذ ما يَكون مِن العيش فحدثتنيِ نفْسيِ الخبيثه بالسفر اليِ بلاد الناس وقد اشتقت اليِ مصاحبه الجناس والبيع والمكاسب فهممت فِيِ ذلِك المر واشتريت بضاعه نفيسه تناسب البحر وحزمت حمولا كثِيره زياده عَن العاده وسافرت مِن مدينه بغداد اليِ مدينه البصره ونزلت حمولتيِ فِيِ المركب واصطحبت بجماعه مِن اكابر البصره وقد توجهنا اليِ السفر وسافر بنا المركب عليِ بركه الله تعاليِ فِيِ البحر العجاج المتلاطم بالمواج وطاب لنا السفر ولم نزل عليِ هَذه الحاله مده لياليِ ويام مِن جزيره اليِ جزيره ومن بحر اليِ بحر
اليِ ان خرجت علينا ريح مختلفه يوما مِن اليام فرميِ الريس مراسيِ المركب ووقفه فِيِ وسَط البحر خوفا عَليه مِن الغرق.
فبينما نحن عليِ هَذه الحاله ندعو ونتضرع اليِ الله تعاليِ اذ خرج علينا ريح عاصف شديد مزق القلع وقطعه قطعا وغرق الناس وجميع حمولهم وما معهم مِن المتاع والموال وغرقت أنا بجمله مِن غرق
وعمت فِيِ البحر نصف نهار وقد تخليت عَن نفْسيِ فيسر الله تعاليِ لِيِ قطعه لوح خشب مِن الواح المركب فركبتها أنا وجماعه مِن التجار
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الخامسه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ بَعد ان غرق المركب وطلع عليِ لوح خشب هُو وجماعه مِن التجار قال اجتمعنا عليِ بَعضنا ولم نزل راكبين عليِ ذلِك اللوح ونرفس برجلنا فِيِ البحر والمواج والريح تساعدنا
فمكثنا عليِ هَذه الحاله يوما وليله

فلما كَان ثانيِ يوم ضحوه نهار ثار علينا ريح وهاج البحر وقويِ الموج والريح فرمانا الماءَ عليِ جزيره ونحن مِثل الموتيِ مِن شده السهر والتعب والبرد والجوع والخوف والعطش وقد مشينا فِيِ جوانب تلك الجزيره فوجدنا فيها نباتا كثِيرا
فكلنا مِنه شيئا يسد رمقنا ويقيتنا
وبتنا تلك الليله عليِ جانب الجزيره

فلما اصبح الصباح وضاءَ بنوره ولاح قمنا ومشينا فِيِ الجزيره يمينا وشمالا فلاح لنا عماره عليِ بَعد فسرنا فِيِ تلك الجزيره قاصدين تلك العماره الَّتِيِ ريناها مِن بَعد ولم نزل سائرين اليِ ان وقفنا عليِ بابها
فبينما نحن واقفون هُناك اذ خرج علينا مِن ذلِك الباب جماعه عراه ولم يكلمونا وقد قبضوا علينا وخذونا عِند ملكهم فمرنا بالجلوس فجلسنا وقد احضروا لنا طعاما لَم نعرفه ولا فِيِ عمرنا رينا مِثله فلم تقبله نفْسيِ ولم اكل مِنه شيئا دون رفقتيِ وكان قله اكليِ مِنه لطفا مِن الله تعاليِ حتّى عشت اليِ الن
فلما اكل اصحابيِ مِن ذلِك الطعام ذهلت عقولهم وصاروا يكلون مِثل المجانين وتغيرت احوالهم وبعد ذلِك احضروا لَهُم دهن النارجيل فسقوهم مِنه ودهنوهم مِنه فلما شرب اصحابيِ مِن ذلِك الدهن زاغت اعينهم مِن وجوههم وصاروا يكلون مِن ذلِك الطعام بخلاف اكلهم المعتاد فعِند ذلِك احترت فِيِ امرهم وصرت اتسف عَليهم وقد صار عنديِ هُم عظيم مِن شده الخوف عليِ نفْسيِ مِن هؤلاءَ العرايا وقد تملتهم فذا هُم قوم مجوس وملك مدينتهم غول وكل مِن وصل اليِ بلادهم أو روه فِيِ الواديِ أو الطرقات يجيئون بِه اليِ ملكهم ويطعمونه مِن ذلِك الطعام ويدهنونه بذلِك الدهن فيتسع جوفه لجل ان يكل كثِيرا ويذهل عقله وتنطمس فكرته ويصير مِثل البل فيزيدون لَه الكُل والشرب مِن ذلِك الطعام والدهن حتّى يسمن ويغلظ فيذبحونه ويشوونه ويطعمونه لملكهم
وما اصحاب الملك فيكلون مِن لحم النسان بلا شويِ ولا طبخ.
فلما نظرت مِنهم ذلِك المر صرت فِيِ غايه الكرب عليِ نفْسيِ وعليِ اصحابيِ وقد صار اصحابيِ مِن فرط ما دهشت عقولهم لا يعلمون ما يفعل بهم وقد سلموهم اليِ شخص فصار يخذهم كُل يوم ويخرج يرعاهم فِيِ تلك الجزيره مِثل البهائم وما أنا فقد صرت مِن شده الخوف والجوع ضعيفا سقيم الجسم وصار لحميِ يابسا عليِ عظمي.
فلما رونيِ عليِ هَذه الحاله تركونيِ ونسونيِ ولم يتذكرنيِ مِنهم أحد ولا خطرت لَهُم عليِ بال اليِ ان تحيلت يوما مِن اليام وخرجت مِن ذلِك المكان ومشيت فِيِ تلك الجزيره ولم ازل سائرا حتّى طلع النهار وصبح الصباح وضاءَ بنوره ولاح وطلعت الشمس عليِ رؤوس الروابيِ والبطاح وقد تعبت وجعت وعطشت فصرت اكل مِن الحشيش والنبات الَّذِيِ فِيِ الجزيره ولم ازل اكل مِن ذلِك النبات حتّى شبعت وانسد رمقيِ وبعد ذلِك قمت ومشيت فِيِ الجزيره ولم ازل عليِ هَذه الحاله طول النهار والليل وكلما اجوع اكل مِن النبات ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده سبعه ايام بلياليها.
فلما كَانت صبيحه اليَوم الثامن لاحت منيِ نظره فريت شبحا مِن بعيد فسرت اليه ولم ازل سائرا اليِ ان حصلته بَعد غروب الشمس فحققت النظر فيه بَعد ونا بعيد عنه وقلبيِ خائف مِن الَّذِيِ قاسيته اولا وثانيا وذا هُم جماعه يجمعون حب الفلفل فلما قربت مِنهم ونظرونيِ تسارعوا اليِ وجاءوا عنديِ وقد احاطونيِ مِن كُل جانب وقالوا لِيِ مِن أنت ومن أين اقبلت فقلت لَهُم اعلموا يا جماعه انيِ رجل غريب مسكين وخبرتهم بجميع ما كَان مِن امريِ وما جريِ لِيِ مِن الهوال والشدائد وما قاسيته
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله السادسه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما ريِ الجماعه الَّذِين يجمعون حب الفلفل فِيِ الجزيره وسلوه عَن حاله حكيِ لَهُم جميع ما جريِ لَه وما قاساه مِن الشدائد فقالوا والله هَذا امر عجيب ولكن كَيف خلاصتك مِن السودان وكيف مرورك عَليهم فِيِ هَذه الجزيره وهم خلق كثِيرون ويكلون الناس ولا يسلم مِنهم أحد ولا يقدر ان يجوز عَليهم احد
فخبرتهم بما جريِ لِيِ معهم وكيف اخذوا اصحابيِ وطعموهم الطعام ولم اكل مِنه فهنونيِ بالسلامه وصاروا يتعجبون مما جريِ لِيِ ثُم اجلسونيِ عندهم حتّى فرغوا مِن شغلهم وتونيِ بشيء مِن الطعام فكلت مِنه وكنت جائعا وارتحت عندهم ساعه مِن الزمان.
وبعد ذلِك اخذونيِ ونزلوا بيِ فِيِ مركب وجاؤوا اليِ جزيرتهم ومساكنهم وقد عرضونيِ عليِ ملكهم فسلمت عَليه ورحب بيِ وكرمنيِ وسلنيِ عَن حاليِ فخبرته بما كَان مِن امري
وما جريِ لِيِ وما اتفق لِيِ مِن يوم خروجيِ مِن مدينه بغداد اليِ حين وصلت اليه فتعجب ملكهم مِن قصتيِ غايه العجب هُو ومن كَان حاضرا فِيِ مجلسه ثُم أنه امرنيِ بالجلوس عنده فجلست ومر بحضار الطعام فحضروه فكلت مِنه عليِ قدر كفايتيِ وغسلت يديِ وشكرت فضل الله تعاليِ وحمدته وثنيت عَليه.
ثم انيِ قمت مِن عِند ملكهم وتفرجت فِيِ مدينته فذا هِيِ مدينه عامَره كثِيره الهل والمال
كثيره الطعام والسواق والبضائع والبائعين والمشترين ففرحت بوصوليِ اليِ تلك المدينه وارتاح خاطريِ واستنست بهلها وصرت عندهم وعِند ملكهم معززا مكرما زياده عَن اهل مملكته مِن عظماءَ مدينته وريت جميع اكابرها وصاغرها يركبون الخيل الجياد الملاح مِن غَير سروج فتعجبت مِن ذلك.
ثم انيِ قلت للملك لِيِ شيء يا مولايِ لَم تركب عليِ سرج فن فيه راحه للراكب وزياده قوه فقال لي: كَيف يَكون السرج هَذا شيء عمرنا ما ريناه ولا ركبنا عَليه فقلت له: هَل لك ان تذيِ ان اصنع لك سرجا تركب عَليه وتنظر حظه فقال لِيِ افعل فقلت لَه احضر لِيِ شيئا مِن الخشب فمر لِيِ بحضار جميع ما طلبته.
فعِند ذلِك طلبت نجارا شاطرا وجلست عنده وعلمته صنعه السرج وكيف يعمله ثُم انيِ اخذت صوفا ونقشته وصنعت مِنه لبدا وحضرت جلدا ولبسته السرج وصقلته ثُم انيِ ركبت سيوره وشددت شريحته وبعد ذلِك احضرت الحداد ووصفت لَه كَيفية الركاب فدق ركابا عظيما وبردته وبيضته بالقصدير ثُم انيِ شددت لَه اهدابا مِن الحرير وبعد ذلِك قمت وجئت بحصان مِن خيار خيول الملك وشددت عَليه السرج وعلقت فيه الركاب ولجمته بلجام وقدمته اليِ الملك فعجبه ولاق بخاطره وشكرنيِ وركب عَليه وقد حصل لَه فرح شديد بذلِك السرج وعطانيِ شيئا كثِيرا فِيِ نظير عمليِ له.
فلما نظرنيِ وزيره عملت ذلِك السرج طلب منيِ واحدا مِثله فعملت لَه سرجا مِثله وقد صار اكابر الدوله وصحاب المناصب يطلبون منيِ السروج ففعل لَهُم وعلمت النجار صنعه السرج والحداد صنعه الركاب وصرنا نعمل السروج والركابات ونبيعها للكابر والمخاديم وقد جمعت مِن ذلِك مالا كثِيرا وصار لِيِ عندهم مقاما كبيرا وحبونيِ محبه زائده وبقيت صاحب منزله عاليه عِند الملك وجماعته وعِند اكابر البلد ورباب الدوله اليِ ان جلست يوما مِن اليام عِند الملك ونا فِيِ غايه السرور والعز.
فبينما أنا جالس قال لِيِ الملك اعلم يا هَذا انك صرت معزوزا مكرما عندنا وواحدا منا ولا نقدر عليِ مفارقتك ولا نستطيع خروجك مِن مدينتنا ومقصوديِ منك شيء تطيَعنيِ فيه ولا ترد قوليِ فقلت له: وما الَّذِيِ تُريد ايها الملك فنيِ لا ارد قولك لنه صار لك فضل وجميل وحسان عليِ والحمد لله أنا صرت مِن بَعض خدامك فقال اريد ان ازوجك عندنا زوجه حسنه مليحه ظريفه صاحبه مال وجمال وتصير مستوطنا عندنا وسكنك عنديِ فِيِ قصريِ فلا تخالفنيِ ولا ترد كلامي.
فلما سمعت كلام الملك استحييت مِنه وسكت ولم ارد عَليه جوابا مِن كثره الحياءَ فقال لِيِ لما لا ترد عليِ يا ولديِ فقلت يا سيديِ المر امرك يا ملك الزمان فرسل مِن وقْته وساعته وحضر القاضيِ والشهود وزوجنيِ فِيِ ذلِك الوقت بامَره شريفه القدر عاليه النسب كثِيره المال والنوال عظيمه الصل بديعه الجمال والحسن صاحبه اماكن وملاك وعقارات
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله السابعه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ بَعد ان زوجه الملك وعقد لَه عليِ امَره عظيمه قال: ثُم أنه اعطانيِ بيتا عظيما مليحا بمفرده وعطانيِ خداما وحشما ورتب لَه جرايات وجوامك وصرت فِيِ غايه الراحه والبسط والانشراح ونسيت جميع ما حصل لِيِ مِن التعب والمشقه والشده وقلت فِيِ نفْسيِ إذا سافرت اليِ بلاديِ اخذها معيِ وكل شيء مقدر عليِ النسان لابد مِنه ولم يعلم بما يجريِ لَه وقد احببتها وحبتنيِ محبه عظيمه ووقع الوفاق بينيِ وبينها وقد اقمنا فِيِ الذ عيش ورغد مورد ولم نزل عليِ هَذه الحاله مده مِن الزمن ففقد الله زوجه جاريِ وكان صاحبا لِيِ فدخلت اليه لعزيه فِيِ زوجته فريته فِيِ اسوا حال وهو مُهموم تعبان السر والخاطر فعِند ذلِك عزيته وسليته وقلت لَه لا تحزن عليِ زوجتك الله يعوضك خيرا مِنها ويَكون عمرك طويلا ان شاءَ الله تعاليِ فبكيِ بكاءَ شديدا وقال يا صاحبي: كَيف اتزوج بغيرها أو كَيف يعوضنيِ الله خيرا مِنها ونا بقيِ مِن عمريِ يوم واحد فقلت لَه يا اخيِ ارجع لعقلك ولا تبشر عليِ روحك بالموت فنك طيب بخير وعافيه فقال لِيِ يا صاحبيِ وحياتك فِيِ غد تعدمنيِ وما بقيت عمرك تنظرنيِ فقلت لَه وكيف ذلِك فقال لِيِ فِيِ هَذا النهار يدفنون زوجتيِ ويدفنونيِ معها فِيِ القبر فنها عادتنا فِيِ بلادنا إذا ماتت المَره يدفنون معها زوجها بالحيآة ون مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحيآة حتّى لا يتلذذ أحد مِنهم بالحيآة بَعد رفيقه
فقلت لَه بالله ان هَذه العاده رديئه جداً وما يقدر عَليها أحد فبينما نحن فِيِ ذلِك الحديث وذا بغالب اهل المدينه قَد حضروا وصاروا يعزون صاحبيِ فِيِ زوجته وفيِ نفْسه وقد شرعوا فِيِ تجهيزها عليِ جريِ عادتهم فحضروا تابوتا وحملوا فيه المَره وذلِك الرجل معهم وخرجوا بهما اليِ خارِج المدينه وتوا اليِ مكان فِيِ جانب الجبل عليِ البحر وتقدموا اليِ مكان ورفعوا عنه حجرا كبيرا فبان مِن تَحْت ذلِك الحجر خرزه مِن الحجر مِثل خرزه البئر فرموا تلك المَره فيها وذا هُو جب كبير تَحْت الجبل ثُم أنهم جاؤوا بذلِك الرجل وربطوه تَحْت صدره فِيِ سلبه ونزلوه فِيِ ذلِك الجب ونزلوا عنده كوز ماءَ عذب كبير وسبعه ارغفه مِن الزاد ولما انزلوه فك نفْسه مِن السلبه فسحبوا السلبه وغطوا فم البئر بذلِك الحجر الكبير مِثل ما كَان وانصرفوا اليِ حال سبيلهم وتركوا صاحبيِ عِند زوجته فقلت فِيِ نفْسيِ والله ان هَذا الموت اصعب منالموت الول ثُم انيِ جئت عِند ملكهم وقلت لَه يا سيديِ كَيف تدفنون الحيِ مَع الميت فِيِ بلادكم.
فقال لِيِ اعلم ان هَذه عادتنا فِيِ بلادنا إذا مات الرجل ندفن معه زوجته وذا ماتت المَره ندفن معها زوجها بالحيآة حتّى لا نفرق بينهما فِيِ الحيآة ولا فِيِ الممات وهَذه العاده عَن اجدادنا فقلت يا ملك الزمان وكذا الرجل الغريب مِثليِ إذا ماتت زوجته عندكم تفعلون بِه مِثل ما فعلتم بهَذا فقال لِيِ نعم ندفنه معها ونفعل بِه كَما ريت.
فلما سمعت ذلِك الكلام مِنه انشقت مرارتيِ مِن شده الغم والحزن عليِ نفْسيِ وذهل عقليِ وصرت خائفا ان تموت زوجتيِ قَبليِ فيدفنونيِ معها ونا بالحيآة ثُم انيِ سليت نفْسيِ لعليِ اموت أنا قَبلها ولم يعلم أحد السابق مِن اللاحق وصرت اتلاهيِ فِيِ بَعض المور
فما مضت مده يسيره بَعد ذلِك حتّى مرضت زوجتيِ وقد مكثت اياما قلائل وماتت.
فاجتمع غالب الناس يعزوننيِ ويعزون اهلها فيها وقد جاءنيِ الملك يعزينيِ فيها عليِ جريِ عادتهم ثُم أنهم جاؤوا لَها بغاسله فغسلوها ولبسوها افخر ما عندها مِن الثياب والمصاغ والقلائد والجواهر مِن المعادن
فلما البسوا زوجتيِ وحطوها فِيِ التابوت وحملوها وراحوا بها اليِ ذلِك الجبل ورفعوا الحجر عَن فم الجب ولقوها فيه وقبل جميع اصحابيِ وهل زوجتيِ يودعوننيِ فِيِ روحيِ ونا اصيح بينهم أنا رجل غريب وليس لِيِ صبر عليِ عادتكم وهم لا يسمعون قوليِ ولا يلتفتون اليِ كلامي
ثم أنهم امسكونيِ وربطونيِ بالغضب وربطوا معيِ سبعه اقراص مِن الخبز وماءَ عذب عليِ جريِ عادتهم ونزلونيِ فِيِ ذلِك البئر فذا هُو مغاره كبيرة تَحْت ذلِك الجبل وقالوا لِيِ فك نفْسك مِن الحبال فلم ارض ان افك نفْسيِ فرموا عليِ الحبال ثُم غطوا فم المغاره بذلِك الحجر الكبير الَّذِيِ كَان عَليها وراحوا اليِ حال سبيلهم
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثامنه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما حطوه فِيِ المغاره مَع زوجته الَّتِيِ ماتت وردوا باب المغاره وراحوا اليِ حال سبيلهم قال وما أنا فنيِ ريت فِيِ تلك المغاره امواتا كثِيره ورائحتها منتنه كريهه فلمت نفْسيِ عليِ فعلتيِ وقلت: والله انيِ استحق جميع ما يجريِ لِيِ وما يقع لِيِ ثُم انيِ صرت لا اعرف الليل مِن النهار وصرت اتقوت باليسير ولا اكل حتّى يكاد ان يقطعنيِ الجوع ولا اشرب حتّى يشتد بيِ العطش ونا خائف ان يفرغ ما عنديِ مِن الزاد والماءَ وقلت لا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم أيِ شيء بلانيِ بالزواج فِيِ هَذه المدينه وكلما اقول خرجت مِن مصيبه اقع فِيِ مصيبه اقويِ مِنها والله ان هَذا الموت موت مشؤوم يا ليتنيِ غرقت فِيِ البحر أو مت فِيِ الجبال كَان احسن لِيِ مِن هَذا الموت الرديء ولم ازل عليِ هَذه الحاله الوم نفْسيِ ونمت عليِ عظام الموات واستعنت بالله حتّى احرق قلبيِ الجوع ولهبنيِ العطش فقعدت وحسست عليِ الخبز وكلت مِنه شيئا قلِيلا وتجرعت عَليه شيئا قلِيلا مِن الماء
ثم انيِ قمت ووقفت عليِ حيليِ وصرت امشيِ فِيِ جانب تلك المغاره فريتها متسعه الجوانب خاليه البطون ولكن فِيِ ارضها اموات كثِيره وعظام رميمه مِن قديم الزمان فعِند ذلِك عملت لِيِ مكانا فِيِ جانب المغاره بعيدا عَن الموتيِ الطريين وصرت انام فيه وقد قل زاديِ وما بقيِ معيِ الا شيء يسير وقد كنت اكل فِيِ كُل يوم أو أكثر اكله وشرب شربه خوفا مِن فراغ الماءَ والزاد مِن عنديِ قَبل موتيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله اليِ ان جلست يوما مِن اليام فبينما أنا جالس متفكر فِيِ نفْسيِ كَيف افعل إذا فرغ زاديِ والماءَ مِن عنديِ وذا بالصره قَد تزحزحت مِن مكأنها ونزل مِنه النور عنديِ فقلت يا تريِ ما الخبر وذا بالقوم واقفون عليِ رس البئر وقد انزلوا رجلا ميتا وامَره معه بالحيآة وهيِ تبكيِ وتصيح عليِ نفْسها وقد انزلوا عندها شيئا كثِيرا مِن الزاد والماءَ فصرت انظر المَره وهيِ لَم تنظرنيِ وقد غطوا فم البئر بالحجر وانصرفوا اليِ حال سبيلهم.
فقمت أنا وخذت فِيِ يديِ قصبه رجل ميت وجئت اليِ المَره وضربتها فِيِ وسَط رسها فَوقعت عليِ الرض مغشيا عَليها فضربتها ثانيا وثالثا فماتت فخذت خبزها وما معها وريت عَليها شيئا كثِيرا مِن الحليِ والحلل والقلائد والجواهر والمعادن ثُم انيِ اخذت الماءَ والزاد الَّذِيِ مَع المَره وقعدت فِيِ الموضع الَّذِيِ كنت عملته فِيِ جانب المغاره لنام فيه وصرت اكل مِن ذلِك الزاد شيئا قلِيلا عليِ قدر ما يقوتنيِ حتّى لا يفرغ بسرعه فموت مِن الجوع والعطش وقمت فِيِ تلك المغاره مده مِن الزمان ونا كُل مِن دفنوه اقتل مِن دفن معه بالحيآة وخذ اكله وشربه اتقوت بِه اليِ ان كنت نائما يوما مِن اليام فاستيقظت مِن مناميِ وسمعت شيئا يكركب فِيِ جانب المغاره فقلت ما يَكون هَذا ثُم انيِ قمت ومشيت نحوه ومعيِ قصبه رجل ميت فلما احس بيِ فر وهرب منيِ فذا هُو وحش فتبعته اليِ صدر المغاره فبان لِيِ نور مِن مكان صغير مِثل النجمه تاره يبين لِيِ وتاره يخفيِ عني.
فلما نظرته قصدت نحوه وبقيت كلما اتقرب مِنه يظهر لِيِ نور مِنه ويتسع فعِند ذلِك تحققت أنه خرق فِيِ تلك المغاره ينفذ للخلاءَ فقلت فِيِ نفْسيِ لابد ان يَكون لهَذا المكان حركه اما ان يَكون مدفنا ثانيا مِثل الَّذِيِ نزلونيِ مِنه وما ان يَكون تخريق مِن هَذا المكان ثُم انيِ تفكرت فِيِ نفْسيِ ساعه مِن الزمان ومشيت اليِ ناحيه النور وذا بِه ثقب فِيِ ظهر الجبل مِن الوحوش ثقبوه وصاروا يدخلون مِنه اليِ هَذا المكان ويكلون الموتيِ حتّى يشبعون ويطلعون مِن ذلِك الثقب فلما ريته هدت واطمنت نفْسيِ وارتاح قلبيِ ويقنت بالحيآة بَعد الممات وصرت كنيِ فِيِ المنام ثُم انيِ عالجت حتّى طلعت مِن ذلِك الثقب فريت نفْسيِ عليِ جانب البحر المالح فَوق جبل عظيم وهو قاطع بَين البحرين وبين الجزيره والمدينه ولا يستطيع أحد الوصول اليه فحمدت الله تعاليِ وشكرته وفرحت فرحا عظيما وقويِ قلبي.
ثم انيِ بَعد ذلِك رجعت مِن الثقب اليِ المغاره ونقلت جميع ما فليها مِن الزاد والماءَ الَّذِيِ كنت وفرته ثُم انيِ اخذت مِن ثياب الموات ولبست شيئا مِنها غَير الَّذِيِ كَان عليِ وخذت مما عَليهم شيئا كثِيرا مِن انواع العقود والجواهر وقلائد اللؤلو والمصاغ مِن الفضه والذهب المرصع بنواع المعادن والتحف وربطته فِيِ ثياب الموتيِ وطلعتها مِن الثقب اليِ ظهر الجبل ووقفت عليِ جانب البحر وبقيت فِيِ كُل يوم انزل المغاره وطلع وكل مِن دفنوه اخذ زاده وماؤه وقْتله سواءَ كَان ذكرا أو انثيِ وطلع مِن ذلِك الثقب فجلس عليِ جانب البحر لنتظر الفرج مِن الله تعاليِ وذا بمركب يجوز عليِ وصرت انقل مِن تلك المغاره كُل شيء ريته مِن المصاغ وربطه فِيِ ثياب الموتيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده مِن الزمان
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله التاسعه والربعين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ سار ينقل مِن تلك المغاره ما يلقاه فيها مِن مصاغ وغيره ويجلس عليِ جانب البحر مده مِن الزمان قال فبينما أنا جالس يوما مِن اليام عليِ جانب البحر ونا متفكر فِيِ امريِ وذا بمركب سائر فِيِ وسَط البحر العجاج المتلاطم بالمواج فخذت فِيِ يديِ ثوبا ابيض مِن ثياب الموتيِ وربطته فِيِ عكاز وجريت بِه عليِ شاطئ البحر وصرت اشير اليهم بذلِك الثوب حتّى لاحت مِنهم التفاته فرونيِ ونا فِيِ رس الجبل فجاؤوا اليِ وسمعوا صوتيِ ورسلوا اليِ زورقا مِن عندهم وفيه جماعه مِن المركب ولم نزل مسافرين مِن جزيره اليِ جزيره ومن بحر اليِ بحر ونا ارجو النجاه وصرت فرحانا بسلامتيِ وكلما اتفكر قعوديِ فِيِ المغاره مَع زوجتيِ يغيب عقلي.
وقد وصلنا بقدره الله تعاليِ مَع السلامه اليِ مدينه البصره فطلعت اليها وقمت فيها اياما قلائل وبعدها جئت اليِ مدينه بغداد فجئت اليِ حارتيِ ودخلت داريِ وقابلت اهليِ وصحابيِ وسلت عنهم ففرحوا بسلامتيِ وهنونيِ وقد خزنت جميع ما كَان معيِ مِن المتعه فِيِ حواصليِ وتصدقت ووهبت وكسوت اليتام والرامل وصرت فِيِ غايه البسط والسرور وقد عدت لما كنت عَليه مِن المعاشره والمرافقه ومصاحبه الخوان واللهو والطرب وهَذا اعجب ما صار لِيِ فِيِ السفره الرابعه ولكن يا اخيِ تعش عنديِ وخذ عادتك وفيِ غد تجيء عنديِ فخبرك بما كَان لِيِ وما جريِ لِيِ فِيِ السفره الخامسه فنها اعجب وغرب مما سبق ثُم امر لَه بمائه مثقال ذهب ومد السماط وتعشيِ الجماعه وانصرفوا اليِ حال سبيلهم وهم متعجبون غايه العجب وكل حكايه اعظم مِن الَّتِيِ قَبلها.
وقد راح السندباد الحمال اليِ منزله وبات فِيِ غايه البسط والانشراح وهو متعجب ولما اصبح الصباح وضاءَ نوره ولاح قام السندباد البريِ وصليِ الصبح وتمشيِ اليِ ان دخل دار السندباد البحريِ وصبح عَليه
فرحب بِه ومَره بالجلوس عنده حتّى جاءه بقيه اصحابه فكلوا وشربوا وتلذذوا وطربوا ودارت بينهم المحادثات فابتدا السندباد البحريِ بالكلام
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
الحكايه الخامسه مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ السفره الخامسه
وفيِ الليله الخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ ابتدا بالكلام فيما جريِ وما وقع لَه فِيِ الحكايه الخامسه فقال اعلموا يا اخوانيِ انيِ لما رجعت مِن السفره الرابعه وقد غرقت فِيِ اللهو والطرب والانشراح وقد نسيت جميع ما كنت لقيته وما جريِ لِيِ وما قاسيته مِن شده فرحيِ بالمكسب والربح والفوائد فحدثتنيِ نفْسيِ بالسفر والتفرج فِيِ بلاد الناس وفيِ الجزائر فقمت وهممت فِيِ ذلِك الوقت واشتريت بضاعه تناسب البحر وحزمت الحمول وسرت مِن مدينه بغداد وتوجهت اليِ مدينه البصره ومشيت عليِ جانب الساحل فريت مركبا كبيرا مليحا فعجبنيِ فاشتريته وكَانت عدته جديده واكتريت لَه ريسا وبحريه ونظرت عَليه عبيديِ وغلمانيِ ونزلت فيه حموليِ وجاءنيِ جماعه مِن التجار فنزلوا حمولهم فيه ودفعوا لِيِ الجره وسرنا ونحن فِيِ غايه الفرح والسرور وقد استبشرنا بالسلامه والكسب ولم نزل مسافرين مِن جزيره اليِ جزيره ومن بحر اليِ بحر ونحن نتفرج فِيِ الجزر والبلدان ونطلع اليها نبيع فيها ونشتريِ ولم نزل عليِ هَذه الحاله اليِ ان وصلنا يوما مِن اليام اليِ جزيره خاليه مِن السكان
وليس فيها أحد وهيِ خراب وفيها قبه عظيمه بيضاءَ كبيرة الحجم فطلعنا نتفرج عَليها وذا هِيِ بيضه رخ كبيره

فلما طلع التجار اليها وتفرجوا عَليها ولم يعلموا أنها بيضه رخ فضربوها بالحجاره فكسرت ونزل مِنها ماءَ كثِير وقد بان مِنها فرخ الرخ فسحبوه مِنها وطلعوه مِن تلك البيضه وذبحوه وخذوا مِنه لحما كثِيرا ونا فِيِ المركب ولم اعلم ولم يطلعونيِ عليِ ما فعلوه فعِند ذلِك قال لِيِ واحد مِن الركاب يا سيديِ قم تفرج عليِ هَذه البيضه الَّتِيِ تحسبنها قبه فقمت لاتفرج عَليها فوجدت التجار يضربون البيضه فصحت عَليهم لا تفعلوا هَذا الفعل فيطلع طير الرخ ويكسر مركبنا ويهلكنا فلم يسمعوا كلامي
فبينما هُم عليِ هَذه الحاله وذا بالشمس قَد غابت عنا والنهار اظلم وصار فَوقنا غمامه اظلم الجو مِنها فرفعنا رؤوسنا لننظر ما الَّذِيِ حال بيننا وبين الشمس فرينا اجنحه الرخ هِيِ الَّتِيِ حجبت عنا ضوء الشمس حتّى اظلم الجو وذلِك أنه لما جاءَ الرخ ريِ بيضه انكسرت تبعنا وصاح علينا فجاءت رفيقته وصارا حائمين عليِ المركب يصرخان علينا بصوت اشد مِن الرعد فصحت أنا عليِ الريس والبحريه وقلت لهم: ادفعوا المركب واطلبو السلامه قَبل ان نهلك فسرع الريس وطلع التجار وحل المركب وسرنا فِيِ تلك الجزيره

فلما رنا الرخ سرنا فِيِ البحر غاب عنا ساعه مِن الزمان وقد سرنا وسرعنا فِيِ السير بالمركب نُريد الخلاص مِنهما والخروج مِن ارضهما وذا بهما قَد تبعانا وقبلا علينا وفيِ رجل كُل واحد مِنهما صخره عظيمه مِن الجبل فلقيِ الصخره الَّتِيِ كَان معه علينا فجذب الريس المركب وقد اخطها نزول الصخره بشيء قلِيل فنزلت فِيِ البحر تَحْت المركب فقام بنا المركب وقعد مِن عظم وقوعها فِيِ البحر وقد رينا قعر البحر مِن شده عزمها.
ثم ان رفيقه الرخ القت علينا الصخره الَّتِيِ معها وهيِ اصغر مِن الوليِ فنزلت بالمر المقدر عليِ مؤخر المركب فكسرته وطيرت الدفه عشرين قطعه وقد غرق جميع ما كَان فِيِ المركب بالبحر فصرت احاول النجاه مِن حلاوه الروح فقدر الله تعاليِ لِيِ لوحا مِن الواح المركب فتعلقت فيه وركبته وصرت اقذف عَليه برجليِ والريح والموج يساعدانيِ عليِ السير وكان المركب قَد غرق بالقرب مِن جزيره فِيِ وسَط البحر فرمتنيِ المقادير بذن الله تعاليِ اليِ تلك الجزيره فطلعت عَليها ونا عليِ آخر نفْس وفيِ حاله الموت مِن شده ما قاسيته مِن التعب والمشقه والجوع والعطش.
ثم انيِ انطرحت عليِ شاطئ البحر ساعه مِن الزمان حتّى ارتاحت نفْسيِ واطمن قلبيِ ثُم مشيت فِيِ تلك الجزيره فريتها كنها روضه مِن رياض الجنه اشجارها يانعه ونهارها دافقه وطيورها مغرده تسبح مِن لَه العزه والبقاءَ وفيِ تلك الجزيره شيء كثِير مِن الشجار والفواكه ونواع الزهار فعِند ذلِك اكلت مِن الفواكه حتّى شبعت وشربت مِن تلك النهار حتّى رويت وحمدت الله تعاليِ عليِ ذلِك واثنيت عَليه.
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الواحده والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ حمد الله وثنيِ عَليه وقال ولم ازل عليِ هَذه الحاله قاعدا فِيِ الجزيره اليِ ان امسيِ المساءَ وقبل الليل ونا مِثل القتيل مما حصل لِيِ مِن التعب والخوف ولم اسمع فِيِ تلك الجزيره صوتا ولم ار فيها احدا ولم ازل راقدا فيها اليِ الصباح ثُم قمت عليِ حيليِ ومشيت بَين تلك الشجار ساقيه عليِ عين ماءَ جاريه وعِند تلك الساقيه شيخ جالس مليح وذلِك الشيخ مؤتزر بزار مِن ورق الشجار فقلت فِيِ نفْسيِ لعل هَذا الشيخ طلع اليِ هَذه الجزيره وهو مِن الغرقيِ الَّذِين كسر بهم المركب ثُم دنوت مِنه وسلمت عَليه فرد الشيخ عليِ السلام بالشاره ولم يتكلم فقلت لَه يا شيخ ما سَبب جلوسك فِيِ هَذا المكان فحرك رسه وتسف وشار لِيِ بيده يَعنيِ احملنيِ عليِ رقبتك وانقلنيِ مِن هَذا المكان اليِ جانب الساقيه الثانيه فقلت فِيِ نفْسيِ اعمل مَع هَذا معروفا ونقله اليِ المكان الَّذِيِ يُريده لعل ثوابه يحصل لِيِ فتقدمت اليه وحملته عليِ اكتافيِ وجئت اليِ المكان الَّذِيِ اشار لِيِ اليه وقلت لَه انزل عليِ مهلك فلم ينزل عَن اكتافيِ وقد لف رجليه عليِ رقبتيِ فنظرت اليِ رجليه فريتهما مِثل جلد الجاموس فِيِ السواد والخشونه ففزعت مِنه وردت ان ارميه مِن فَوق اكتافيِ فقرط عليِ رقبتيِ برجليه وخنقنيِ بهما حتّى اسودت الدنيا فِيِ وجهيِ وغبت عَن وجوديِ ووقعت عليِ الرض مغشيا عليِ مِثل الميت فرفع ساقيه وضربنيِ عليِ ظهريِ وعليِ اكتافيِ فحصل لِيِ الم شديد فنهضت قائما بِه وهو راكب فَوق اكتافيِ وقد تعبت مِنه فشار لِيِ بيده ان ادخل بَين الشجار فدخلت اليِ اطيب الفواكه وكنت إذا خالفته يضربنيِ برجليه ضربا اشد مِن ضرب السواط
ولم يزل يشير اليِ بيده اليِ كُل مكان اراده ونا امشيِ بِه اليه ون توانيت أو تمهلت يضربنيِ ونا معه شبه السير وقد دخلنا فِيِ وسَط الجزيره بَين الشجار وصار يبول ويغوط عليِ اكتافيِ ولا ينزل ليلا ولا نهارا وذا اراد النوم يلف رجليه عليِ رقبتيِ وينام قلِيلا ثُم يقُوم ويضربنيِ فقوم مسرعا بِه ولا استطيع مخالفته مِن شده ما اقاسيِ مِنه وقد لمت نفْسيِ عليِ ما كَان منيِ مِن حمله والشفقه عَليه.
ولم ازل معه عليِ هَذه الحاله ونا فِيِ اشد ما يَكون مِن التعب وقلت فِيِ نفْسيِ أنا فعلت مَع هَذا خيرا فانقلب عليِ شرا والله ما بقيت افعل مَع أحد خيرا طول عمريِ وقد صرت اتمنيِ الموت مِن الله تعاليِ فِيِ كُل وقْت وكل ساعه مِن كثره ما أنا فيه مِن التعب والمشقه

ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده مِن الزمان اليِ ان جئت بِه يوما مِن اليام اليِ مكان فِيِ الجزيره فوجدت فيه يقطينا كثِيرا ومنه شيء يابس فخذت مِنه واحده كبيرة يابسه وفتحت رسها وصفيتها اليِ شجره العنب فملتها مِنها وسددت رسها ووضعتها فِيِ الشمس وتركتها مده ايام حتّى صارت خمرا صافيا وصرت كُل يوم اشرب مِنه لستعين بِه عليِ تعبيِ مَع ذلِك الشيطان المريد وكلما سكرت مِنها تقويِ همتيِ فنظرنيِ يوما مِن اليام ونا اشرب فشار لِيِ بيده ما هَذا فقلت لَه هَذا شيء مليح يقويِ القلب ويشرح الخاطر.
ثم انيِ جريت بِه ورقصت بَين الشجار وحصل لِيِ نشوه مِن السكر فصفقت وغنيت وانشرحت فلما رنيِ عليِ هَذه الحاله اشار لِيِ ان اناوله اليقطينه ليشرب مِنها فخفت مِنه وعطيتها لَه فشرب ما كَان باقيا فيها ورماها عليِ الرض وقد حصل لَه طرب فصار يهتز عليِ ا:تافيِ ثُم أنه سكر وغرق فِيِ السكر وقد ارتخت جميع اعضائه وفرائصه وصار يتمايل مِن فَوق اكتافيِ فلما علمت بسكره ونه غاب عَن الوجود مددت يديِ اليِ رجليه وفككتهما مِن رقبتيِ ثُم ملت بِه اليِ الرض ولقيته عَليها.
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثانيه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما القيِ الشيطان عَن اكتافه عليِ الرض قال فما صدقت ان خلصت نفْسيِ ونجوت مِن المر الَّذِيِ كنت فيه ثُم انيِ خفت مِنه أيِ يقُوم مِن سكره ويؤذينيِ وخذت صخره عظيمه مِن بَين الشجار وجئت اليه فضربته عليِ رسه وهو نائم فاختلط لحمه بدمه وقد قتل فلا رحمه الله عَليه وبعد ذلِك مشيت فِيِ الجزيره وقد ارتاح خاطريِ وجئت اليِ المكان الَّذِيِ كنت فيه عليِ ساحل البحر ولم ازل فِيِ تلك الجزيره اكل مِن اثمارها وشرب مِن أنهارها مده مِن الزمان ونا اترقب مركبا يمر عليِ اليِ ان كنت جالسا يوما مِن اليام متفكرا فيما جريِ لِيِ وما كَان مِن امريِ وقول فِيِ نفْسيِ يا تريِ هَل يبقينيِ الله سالما ثُم اعود اليِ بلاديِ وجتمع بهليِ وصحابيِ وذا بمركب قَد اقبل مِن وسَط البحر العجاج المتلاطم بالمواج ولم يزل سائرا حتّى رسيِ عليِ تلك الجزيره وطلع مِنه الركاب اليِ الجزيره فمشيت اليهم فلما نظرونيِ اقبلوا عليِ كلهم مسرعين واجتمعوا حوليِ وقد سلونيِ عَن حاليِ وما سَبب وصوليِ اليِ تلك الجزيره فخبرتهم بمريِ وما جريِ لِيِ فتعجبوا مِن ذلِك غايه العجب وقالوا ان هَذا الرجل الَّذِيِ ركب عليِ اكتافك يسميِ شيخ البحر وما أحد دخل تَحْت اغضائه وخلص مِنه الا أنت والحمد لله عليِ سلامتك ثُم أنهم جاؤوا اليِ بشيء مِن الطعام فكلت حتّى اكتفيت وعطونيِ شيئا مِن الملبوس لبسته وسترت بِه عورتي.
ثم اخذونيِ معهم فِيِ المركب وقد سرنا اياما ولياليِ فرمتنا المقادير عليِ مدينه عاليه البناءَ جميع بيوتها مطله عليِ البحر وتلك المدينه يقال لَها مدينه القرود وذا دخل الليل يتيِ الناس الَّذِين هُم ساكنون فِيِ تلك المدينه فيخرجون مِن هَذه البواب الَّتِيِ عليِ البحر ثُم ينزلون فِيِ زوارق ومراكب ويبيتون فِيِ البحر خوفا مِن القرود ان ينزلوا عَليهم فِيِ الليل مِن الجبال فطلعت اتفرج فِيِ تلك المدينه فسافر المركب ولم اعلم فندمت عليِ طلوعيِ اليِ تلك المدينه وتذكرت رفقتيِ وما جريِ لِيِ مَع القرود اولا وثانيا فقعدت ابكيِ ونا حزين
فتقدم اليِ رجل مِن اصحاب هَذه البلد
وقال يا سيديِ كنك غريب فِيِ هَذه الديار فقلت نعم أنا غريب ومسكين وكنت فِيِ مركب قَد رسيِ عليِ تلك المدينه فطلعت مِنه لتفرج فِيِ المدينه وعدت اليه فلم اره
فقال قم وسر معنا انزل الزورق فنك ان قعدت فِيِ المدينه ليلا اهلكتك القرود فقلت لَه سمعا وطاعه وقمت مِن وقْتيِ وساعتيِ ونزلت معهم فِيِ الزورق ودفعوه مِن البر حتّى ابعدوه عَن الساحل مقدار ميل وباتوا تلك الليله ونا معهم.
فلما اصبح الصباح رجعوا بالزورق اليِ المدينه وطلعوا وراح كُل واحد مِنهم اليِ شغله ولم تزل هَذه عادتهم كُل ليله وكل مت تخلف مِنهم فِيِ المدينه بالليل جاءَ اليه القرود وهلكوه وفيِ النهار تطلع القرود اليِ خارِج المدينه فيكلون مِن اثمار البساتين ويرقدون فِيِ الجبال اليِ وقْت المساءَ ثُم يعودون اليِ المدينه وهَذه المدينه فِيِ اقصيِ بلاد السودان ومن اعجب ما وقع لِيِ مِن اهل هَذه المدينه ان شخصا مِن الجماعه الَّذِين بت معهم فِيِ الزورق قال لِيِ يا سيديِ أنت غريب فِيِ هَذه الديار فهل لك صنعه تشتغل فيها فقلت لا والله يا اخيِ ليس لِيِ صنعه ولست اعرف عمل شيء ونا رجل تاجر صاحب مال ونوال وكان لِيِ مركب ملكيِ مشحونا بموال كثِيره وبضائع فكسر فِيِ البحر وغرق جميع ما كَان فيه وما نجوت مِن الغرق الا بذن الله فرزقنيِ الله بقطعه لوح ركبتها فكَانت السَبب فِيِ نجاتيِ مِن الغرق فعِند ذلِك قام الرجل وحضر لِيِ مخلاه مِن قطن وقال لِيِ خذ هَذه المخلاه واملها حجاره زلط مِن هَذه المدينه واخرج مَع جماعه مِن اهل المدينه ونا ارافقك بِه ووصيهم عليك وافعل كَما يفعلون فلعلك ان تعمل بشيء تستعين بِه عليِ سفرك وعودتك اليِ بلادك.
ثم ان ذلِك الرجل اخذنيِ وخرجنيِ اليِ خارِج المدينه فنقيت حجاره صغيرة مِن الزلط وملت تلك المخلاه وذا بجماعه خارِجين مِن المدينه فرفقنيِ بهم ووصاهم عليِ وقال لَهُم هَذا رجل غريب فخذوه معكم وعلموه اللقط فلعله يعمل بشيء يتقوت بِه ويبقيِ لكُم الجر والثواب فقالوا سمعا وطاعه ورحبوا بيِ وخذونيِ معهم وساروا وكل واحد مِنهم معه مخلاه مِثل المخلاه الَّتِيِ معيِ مملوءه زلطا ولم نزل سائرين اليِ ان وصلنا اليِ واد واسع فيه اشجار كثِيره عاليه لا يقدر أحد عليِ ان يطلع عَليها وفيِ تلك الواديِ قرود كثِيره

فلما رتنا هَذه القرود نفرت منا وطلعت تلك الشجار فصاروا يرجمون القرود بالحجاره الَّتِيِ معهم فِيِ المخاليِ والقرود تقطع مِن ثمار تلك الشجار وترميِ بها هؤلاءَ الرجال فنظرت تلك الثمار الَّتِيِ ترميها القرود وذا هِيِ جوز هنديِ فلما ريت ذلِك العمل مِن القوم اخترت شجره عظيمه عَليها قرود كثِيره وجئت اليها وصرت ارجم هَذه القرود فتقطع ذلِك الجوز وترمينيِ بِه فجمعه كَما يفعل القوم فما فرغت الحجاره مِن مخلاتيِ حتّى جمعت شيئا كثِيرا.
فلما فرغ القوم مِن هَذا العمل لموا جميع ما كَان معهم وحمل كُل واحد مِنهم ما اطاقه ثُم عدنا اليِ المدينه فِيِ باقيِ يومنا فجئت اليِ الرجل صاحبيِ الَّذِيِ ارفقنيِ بالجماعه وعطيته جميع ما جمعت وشكرت فضله فقال لِيِ خذ هَذا بعه وانتفع بثمنه ثُم اعطانيِ مفتاح مكان فِيِ داره وقال لِيِ ضَع فِيِ هَذا المكان هَذا الَّذِيِ بقيِ معك مِن الجوز واطلع فِيِ كُل يوم مَع الجماعه مِثل ما طلعت هَذا اليَوم والذيِ تجيء بِه ميز مِنه الرديء وبعه وانتفع بثمنه واحفظه عندك فِيِ هَذا المكان فلعلك تجمع مِنه شيئا يعينك عليِ سفرك فقلت لَه اجرك عليِ الله تعاليِ وفعلت مِثل ما قال لِيِ ولم ازل فِيِ كُل يوم املا المخلاه مِن الحجاره وطلع مَع القوم وعمل مِثل ما يعملون وقد صاروا يتواصون بيِ ويدلوننيِ عليِ الشجره الَّتِيِ فيها الثمر الكثير ولم ازل عليِ هَذا الحال مده مِن الزمان وقد اجتمع عنديِ شيء كثِير مِن الجوز الهنديِ الطيب وبعت شيئا كثِيرا وكثر عنديِ ثمنه وصرت اشتريِ كُل شيء ريته ولاق بخاطريِ وقد صفا وقْتيِ وزاد فِيِ المدينه حظيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله مده مِن الزمان.
فبينما أنا واقف عليِ جانب البحر وذا بمركب قَد ورد اليِ تلك المدينه ورسيِ عليِ الساحل وفيها تجار معهم بضائع فصاروا يبيعون ويشترون ويقايضون عليِ شيء مِن الجوز الهنديِ وغيره فجئت عِند صاحبيِ وعلمته بالمركب الَّذِيِ جاءَ وخبرته بنيِ اريد السفر اليِ بلاديِ فقال الريِ لك فودعته وشكرته عليِ احسانه لِيِ ثُم انيِ جئت عِند المركب وقابلت الريس واكتريت معه ونزلت ما كَان معيِ مِن الجوز وغيره فِيِ ذلِك المركب وقد ساروا بالمركب
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثالثه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما نزل مِن مدينه القرود فِيِ المركب وخذ ما كَان معه مِن الجوز الهنديِ وغيره واكتريِ مَع الريس قال وقد ساروا بالمركب فِيِ ذلِك اليَوم ولم نزل سائرين مِن جزيره اليِ جزيره ومن بحرليِ بحر اليِ ان وصلنا البصره فطلعت فيها وقمت بها مده يسيره ثُم توجهت اليِ مدينه بغداد ودخلت حارتيِ وجئت اليِ بيتيِ وسلمت عليِ اهليِ وصحابيِ فهنونيِ بالسلامه وخزنت جميع ما كَان معيِ مِن البضائع والمتعه وكسوت اليتام والرامل وتصدقت ووهبت وهاديت اهليِ وصحابيِ وحبابيِ وقد عوض الله عليِ بكثر مما راح منيِ اربع مرات وقد نسيت ما جريِ لِيِ وما قاسيته مِن التعب بكثره الربح والفوائد وعدت لما كنت عَليه فِيِ الزمن الول مِن المعاشر والصحبه وهَذا اعجب ما كَان مِن امريِ فِيِ السفره الخامسه ولكن تعشوا وفيِ غد تعالوا اخبركم بما كَان فِيِ السفره السادسه فنها اعجب مِن هَذه فعِند ذلِك مدوا السماط وتعشوا.
فلما فرغوا مِن العشاءَ امر السندباد للحمال بمائه مثقال مِن الذهب فخذها وانصرف وهو متعجب مِن ذلِك المر وبات السندباد الحمال فِيِ بيته ولما اصبح الصباح قام وصليِ الصبح ومشيِ اليِ ان وصل اليِ دار السندباد البحريِ فدخل عَليه ومَره بالجلوس فجلس عنده ولم يزل يتحدث معه حتّى جاءَ بقيه اصحابه فَتحدثوا ومدوا السماط وشربوا وتلذذوا وطربوا.
الحكايه السادسه مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ السفره السادسه وابتدا السندباد البحريِ يحدثهم بحكايه السفره السادسه فقال لَهُم اعلموا يا اخوانيِ وحبائيِ وصحابيِ انيِ لما جئت مِن تلك السفره الخامسه ونسيت ما كنت قاسيته بسَبب اللهو والطرب والبسط والانشراح ونا فِيِ غايه الفرح والسرور ولم ازل عليِ هَذه الحاله اليِ ان جلست يوما مِن اليام فِيِ حظ وسرور وانشراح زائد.
فبينما أنا جالس إذا بجماعه مِن التجار وردوا عليِ وعليهم اثار السفر فعِند ذلِك تذكرت ايام قدوميِ مِن السفر وفرحيِ بدخوليِ بلقاءَ اهليِ وصحابيِ وحبائيِ وفرحيِ ببلاديِ فاشتاقت نفْسيِ اليِ السفر والتجاره فعزمت عليِ السفر واشتريت لِيِ بضائع نفيسه فاخره تصلح للبحر وحملت حموليِ وسافرت مِن مدينه بغداد اليِ مدينه البصره فريت سفينه عظيمه فيها تجار وكابر ومعهم بضائع نفيسه فنزلت حموليِ معهم فِيِ هَذه السفينه وسرنا بالسلامه مِن مدينه البصره

ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الرابعه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما جهز حموله ونزلها فِيِ المركب مِن مدينه البصره وسافر قال ولم نزل مسافرين مِن مكان اليِ مكان ومن مدينه اليِ مدينه ونحن نبيع ونشتريِ ونتفرج عليِ بلاد الناس وقد طاب لنا السعد والسفر واغتنمنا المعاش اليِ ان كنا سائرين يوما مِن اليام وذا بريس المركب صرخ وصاح ورميِ عمامته ولطم عليِ وجهه ونتف لحيته ووقع فِيِ بطن المركب مِن شده الغم والقهر
فاجتمع عَليه جميع التجار والركاب وقالوا لَه يا ريس ما الخبر فقال لَهُم الريس اعلموا يا جماعه اننا قَد تهنا بمركبنا وخرجنا مِن البحر الَّذِيِ كنا فيه ودخلنا بحر لَم نعرف طرقه وذا لَم يقيض الله لنا شيئا يخلصنا مِن هَذا البحر هلكنا جميعا فادعوا الله تعاليِ ان ينجينا مِن هَذا المر ثُم ان الريس قام وصعد عليِ الصاريِ وراد ان يحل القلوع فقويِ الريح عليِ المركب فرده عليِ مؤخره فانكسرت دفته قرب جبل عال فنزل الريس مِن الصاريِ وقال لا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم لا يقدر أحد ان يمنع المقدور واعلموا اننا قَد وقعنا فِيِ مهلكه عظيمه ولم يبق لنا مِنها خلاص ولا نجاه فبكيِ جميع الركاب عليِ انفسهم وودع بَعضهم بَعضا لفراغ اعمارهم وانقطع رجاؤهم ومال المركب عليِ ذلِك الجبل فانكسر وتفرقت الواحه فغرق جميع ما فيه ووقع التجار فِيِ البحر فمنهم مِن غرق ومنهم مِن تمسك بذلِك الجبل وطلع عَليه وكنت أنا مِن جمله مِن طلع عليِ ذلِك الجبل وذا فيه جزيره كبيرة عندها كثِير مِن المراكب المكسره وفيها ارزاق كثِيره عليِ شاطئ البحر مِن الَّذِيِ يطرحه البحر مِن المراكب الَّتِيِ كسرت وغرق ركابها وفيها شيء كثِير يحير العقل والفكر مِن المتاع والموال الَّتِيِ يلقيها البحر عليِ جوانبها
فعِند ذلِك طلعت عليِ تلك الجزيره ومشيت فيها
فريت فِيِ وسَطها عين ماءَ عذب حار خارِج مِن تَحْت أول ذلِك الجبل وداخِل فِيِ اخره مِن الجانب الثانيِ فعِند ذلِك طلع جميع الركاب عليِ ذلِك الجبل اليِ الجزيره وانتشروا فيها وقد ذهلت عقولهم مِن ذلِك وصاروا مِثل المجانين مِن كثره ما اروا فِيِ الجزيره مِن المتعه والموال عليِ ساحل البحر
وقد ريت فِيِ وسَط تلك العين شيئا كثِيرا مِن اصناف الجواهر والمعادن واليواقيت اللئ الكبار الملوكيه وهيِ مِثل الحصيِ فِيِ مجاريِ الماءَ فِيِ تلك الغيطان وجميع ارض تلك العين تبرق مِن كثره ما فيها مِن المعادن وغيرها.
ورينا كثِيرا فِيِ تلك الجزيره مِن اعليِ العود العود الصينيِ والعود القماريِ وفيِ تلك الجزيره عين نابعه مِن صنف العنبر الخام وهو يسيل مِثل الشمع عليِ جانب تلك مِن شده حر الشمس ويمتد عليِ ساحل البحر فتطلع الهوايش مِن البحر وتبتلعه وتنزل فِيِ البحر فيحميِ فِيِ بطونها فتقذفه مِن افواهها فِيِ البحر فيجمد عليِ وجه الماءَ فعِند ذلِك يتغير لونه وحواله فتقذفه المواج اليِ جانب البحر فيخذه السواحون والتجار الَّذِين يعرفونه فيبيعونه.
وما العنبر الخالص مِن الابتلاع فنه يسيل عليِ جانب تلك العين ويتجمد برضه وذا طلعت عَليه الشمس يسيح وتبقيِ مِنه رائحه ذلِك الواديِ كله مِثل المسك وذا زالت عنه الشمس يجمد وذلِك المكان الَّذِيِ هُو فيه هَذا العنبر الخام لا يقدر أحد عليِ دخوله ولا يستطيع سلوكه فن الجبل محاط بتلك الجزيره ولا يقدر أحد عليِ صعود الجبل ولم نزل دائرين فِيِ تلك الجزيره نتفرج عليِ ما خلق الله تعاليِ فيها مِن الرزاق ونحن متحيرون مِن امرنا وفيما نراه وعندنا خوف شديد.
وقد جمعنا عليِ جانب الجزيره شيئا قلِيلا مِن الزاد فصرنا نوفره ونكل مِنه فِيِ كُل يوم أو يومين اكله واحده ونحن خائفون ان يفرغ الزاد منا فنموت كمدا مِن شده الجوع والخوف وكل مِن مات منا نغسله ونكفنه فِيِ ثياب وقماش مِن الَّذِيِ يطرحه البحر عليِ جانب الجزيره حتّى مات منا خلق كثِير ولم يبق منا الا جماعه قلِيله فضعفنا بوجع البطن مِن البحر وقمنا مده قلِيله فمات جميع اصحابيِ ورفقائيِ واحدا بَعد واحد وكل مِن مات مِنهم ندفنه وبقيت فِيِ تلك الجزيره وحديِ وبقيِ معيِ زاد قلِيل بَعد ان كَان كثِيرا فبكيت عليِ نفْسيِ وقلت يا ليتنيِ مت قَبل رفقائيِ وكانوا غسلونيِ ودفنونيِ فلا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الخامسه والخمسون بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما دفن رفقاءه جميعا وصار فِيِ الجزيره وحده قال: ثُم انيِ اقمت مده يسيره ثُم قمت حفرت لنفسيِ حفره عميقه فِيِ جانب تلك الجزيره وقلت فِيِ نفْسيِ إذا ضعفت وعلمت ان الموت قَد اتانيِ ارقد فِيِ هَذا القبر فموت فيه ويبقيِ الريح يسف الرمل عليِ فيغطينيِ وصير مدفونا فيه وصرت الوم نفْسيِ عليِ قله عقليِ وخروجيِ مِن بلاديِ ومدينتيِ وسفريِ اليِ البلاد بَعد الَّذِيِ قاسيته اولا وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا ولا سفره مِن السفار الا وقاسيِ فيها اهوالا وشدائدا اشق وصعب مِن الهوال الَّتِيِ قَبلها وما اصدق بالنجاه والسلامه وتوب عَن السفر فِيِ البحر وعن عوديِ اليه ولست محتاجا لمال وعنديِ شيء كثِير والذيِ عنديِ لا اقدر ان افنيه ولا اضيع نصفه فِيِ باقيِ عمريِ وعنديِ ما يكفينيِ وزياده ثُم انيِ تفكرت فِيِ نفْسيِ وقلت والله لابد ان هَذا النهر لَه أول وخر ولابد لَه مِن مكان يخرج مِنه اليِ العمار والريِ السديد عنديِ ان اعمل لِيِ فلكا صغيرا عليِ قدر ما اجلس فيه ونزل ولقيه فِيِ هَذا النهر وسير بِه فن وجدت خلاصا اخلص ونجو بذن الله تعاليِ ون لَم اجد لِيِ خلاصا اموت داخِل هَذا النهر احسن مِن هَذا المكان وصرت اتحسر عليِ نفْسي
ثم انيِ قمت وسعيت فجمعت اخشابا مِن تلك الجزيره مِن خشب العود الصينيِ والقماريِ وشددتها عليِ جانب البحر بحبال المراكب الَّتِيِ كسرت وجئت بلواح مساويه مِن الواح المراكب ووضعتها فِيِ ذلِك الخشب وجعلت ذلِك الفلك فِيِ عرض ذلِك النهر أو أقل مِن عرضه وشددته طيبا مكينا وقد اخذت معيِ مِن تلك المعادن والجواهر والموال واللؤلو الكبير الَّذِيِ مِثل الحصيِ وغير ذلِك مِن الَّذِيِ فِيِ تلك الجزيره وشيئا مِن العنبر الخام الخالص الطيب ووضعته فِيِ ذلِك الفلك ووضعت فيه جميع ما جمعته مِن الجزيره وخذت معيِ جميع ما كَان باقيا مِن الزاد ثُم انيِ القيت ذلِك الفلك فِيِ هَذا النهر وجعلت لَه خشبتين عليِ جنبيه مِثل المجاديف وعملت بقول بَعض الشعراء:
ترحل عَن مكان فيه ضيم وخل الدار تنعيِ مِن بناها
فنك واجد ارضا برض ونفسك لَم تجد نفْسا سواها
ولا تجزع لحادثه اللياليِ فكل مصيبه يتيِ انتهاها
ومن كَانت منيته برض فليس يموت فِيِ ارض سواها
ولا تبعث رسولك فِيِ مُهم فما لنفس ناصحه سواها
وسرت بذلِك الفلك فِيِ النهر ونا متفكر فيما يصير اليه امريِ ولم ازل سائرا اليِ المكان الَّذِيِ يدخل فيه النهر تَحْت ذلِك الجبل ودخلت الفلك فِيِ هَذا المكان وقد صرت فِيِ ظلمه شديده فخذتنيِ سنه مِن النوم مِن شده القهر فنمت عليِ وجهيِ فِيِ الفلك ولم يزل سائرا بيِ ونا نائم لا ادريِ بكثير ولا قلِيل حتّى استيقظت فوجدت نفْسيِ فِيِ النور ففتحت عينيِ فريت مكانا واسعا وذلِك الفلك مربوط عليِ جزيره وحوليِ جماعه مِن الهنود والحبشه فلما رونيِ قمت نهضوا اليِ وكلمونيِ بلسانهم فلم اعرف ما يقولون وبقيت اظن أنه حلم ون هَذا فِيِ المنام مِن شده ما كنت فيه مِن الضيق والقهر.
فلما كلمونيِ ولم اعرف حديثهم ولم ارد عَليهم جوابا تقدم اليِ رجل مِنهم وقال لِيِ بلسان عربيِ السلام عليك يا اخانا مِن أنت ومن أين جئت وما سَبب مجيئك اليِ هَذا المكان ونحن اصحاب الزرع والغيطان وجئنا لنسقيِ غيطاننا وزرعنا فوجدناك نائما فِيِ الفلك فمسكناه وربطناه عندنا حتّى تَقوم عليِ مهلك فخبرنا ما سَبب وصولك اليِ هَذا المكان فقلت لَه بالله عليك يا سيديِ ائتنيِ بشيء مِن الطعام فنيِ جائع وبعد ذلِك اسلنيِ عما تُريد فسرع وتانيِ بالطعام فكلت حتّى شبعت واسترحت وسكن روعيِ وازداد شبعيِ وردت لِيِ روحيِ فحمدت الله تعاليِ عليِ كُل حال وفرحت بخروجيِ مِن ذلِك النهر ووصوليِ اليهم وخبرتهم بجميع ما جريِ لِيِ مِن اوله اليِ اخره وما لقيته فِيِ ذلِك النهار وضيقه.
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله السادسه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما طلع مِن الفلك عليِ جانب الجزيره وريِ فيها جماعه مِن الهنود والحبشه واستراح مِن تعبه سلوه عَن خبره فخبرهم بقصته.
ثم أنهم تكلموا مَع بَعضهم وقالوا لابد ان نخذه معنا ونعرضه عليِ ملكنا ليخبره بما جريِ له
قال: فخذونيِ معهم وحملوه معيِ الفلك بجميع ما فيه مِن المال والنوال والجواهر والمعادن والمصاغ ودخلونيِ عليِ ملكهم وخبروه بما جريِ فسلم عليِ ورحب بيِ وسلنيِ عَن حاليِ وما اتفق لِيِ مِن المور فخبرته بجميع ما كَان مِن امريِ وما لاقيته مِن اوله اليِ اخره فتعجب الملك مِن هَذه الحكايه غايه العجب وهننيِ بالسلامه
فعِند ذلِك قمت واطلعت مِن ذلِك الفلك شيئا كثِيرا مِن المعادن والجواهر والعود والعنبر الخام وهديته اليِ الملك
فقبله منيِ وكرمنيِ اكراما زائدا ونزلنيِ فِيِ مكان عنده وقد صاحبت اخيارهم وكابرهم وعزونيِ معزه عظيمه وصرت لا افارق دار الملك وصار الواردون اليِ تلك الجزيره يسلوننيِ عَن امور بلاديِ فخبرهم بها
وكذلِك اسلهم عَن امور بلادهم فيخبرونيِ بها اليِ ان سلنيِ ملكهم يوما مِن اليام عَن احوال بلادي
وعن احوال حكم الخليفه فِيِ بلاد مدينه بغداد فخبرته بَعدله فِيِ احكامه فتعجب مِن اموره وقال لِيِ والله ان هَذا الخليفه لَه امور عقليه وحوال مرضيه ونت قَد حببتنيِ فيه ومراديِ ان اجهز لَه هديه ورسلها معك اليه فقلت سمعا وطاعه يا مولانا اوصلها اليه وخبره انك محب صادق ولم ازل مقيما عِند ذلِك الملك ونا فِيِ غايه العز والكرام وحسن المعيشه مده مِن الزمان اليِ ان كنت جالسا يوما مِن اليام فِيِ دار الملك فسمعت بخبر جماعه مِن تلك المدينه أنهم جهزوا لَهُم مركبا يُريدون السفر فيه اليِ نواحيِ مدينه البصره فقلت فِيِ نفْسيِ ليس لِيِ اوفق مِن السفر مَع هؤلاءَ الجماعه

فسرعت مِن وقْتيِ وساعتيِ وقبلت يد ذلِك الملك وعلمته بن مراديِ السفر مَع الجماعه فِيِ المركب الَّذِيِ جهزوه لنيِ اشتقت اليِ اهليِ وبلاديِ فقال لِيِ الملك الريِ لك ون شئت القامه عندنا فعليِ الرس والعين وقد حصل لنا انسك فقلت والله يا سيديِ لقد غمرتنيِ بجميلك وحسانك ولكن قَد اشتقت اليِ اهليِ وبلاديِ وعيالي.
فلما سمع كلاميِ احضر التجار الَّذِين جهزوا المركب ووصاهم عليِ ووهب لِيِ شيئا كثِيرا مِن عنده ودفع عنيِ اجره المركب ورسل معيِ هديه عظيمه اليِ الخليفه هارون الرشيد بمدينه بغداد.
ثم انيِ ودعت الملك ووعدت جميع اصحابيِ الَّذِين كنت اتردد عَليهم ثُم نزلت المركب مَع التجار وسرنا وقد طاب لنا الريح والسفر ونحن متوكلون عليِ الله سبحانه وتعاليِ ولم نزل مسافرين مِن بحر اليِ بحر ومن جزيره اليِ جزيره اليِ ان وصلنا بالسلامه بذن الله اليِ مدينه البصره فطلعت مِن المركب ولم ازل مقيما برض البصره اياما ولياليِ حتّى جهزت نفْسيِ وحملت حموليِ وتوجهت اليِ مدينه بغداد دار السلام فدخلت عليِ الخليفه هارون الرشيد وقدمت اليه تلك الهديه وخبرته بجميع ما جريِ لي.
ثم خزنت جميع امواليِ ومتعتيِ ودخلت حارتيِ وجاءنيِ اهليِ وصحابيِ وفرقت الهدايا عليِ جميع اهليِ وتصدقت ووهبت وبعد مده مِن الزمان ارسل اليِ الخليفه فسلنيِ عَن سَبب تلك الهديه ومن أين هِيِ فقلت: يا امير المؤمنين والله لا اعرف المدينه الَّتِيِ هِيِ مِنها اسما ولا طريقا ولكن لما غرق المركب الَّذِيِ كنت فيه طلعت عليِ جزيره وصنعت لِيِ فلكا ونزلت فيه فِيِ نهر كَان فِيِ وسَط الجزيره وخبرته بما جريِ لِيِ فيها وكيف كَان خلاصيِ مِن ذلِك النهر اليِ تلك المدينه وبما جريِ لِيِ فيها وبسَبب ارسال الهديه فتعجب مِن ذلِك غايه العجب ومر المؤرخون ان يكتبوا حكايتيِ ويجعلوها فِيِ خزائنه ليعتبر بها كُل مِن رها ثُم أنه اكرمنيِ اكراما زائدا.
قمت بمدينه بغداد عليِ ما كنت عَليه فِيِ الزمن الول ونسيت جميع ما جريِ لِيِ وما قاسيته مِن اوله اليِ اخره ولم ازل فِيِ لذه عيش ولهو وطرب فهَذا ما كَان مِن امريِ فِيِ السفره السادسه يا اخوانيِ ون شاءَ الله تعاليِ فِيِ غد احكيِ لكُم حكايه السفر السابعه فنها اعجب وغرب مِن هَذه السفرات ثُم أنه امر بمد السماط وتعشوا عنده ومر السندباد البحريِ للسندباد الحمال بمائه مثقال مِن الذهب فخذها وانصرف الجماعه وهم متعجبون مِن ذلِك غايه العجب.
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
الحكايه السابعه مِن حكايات السندباد البحريِ وهيِ السفره السابعه
وفيِ الليله السابعه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما حكيِ حكايه سفرته السادسه وراح كُل واحد اليِ حال سبيله بات السندباد الحمال فِيِ منزله ثُم صليِ الصبح وجاءَ اليِ منزل السندباد البحريِ وقبل الجماعه
فلما تكلموا ابتدا السندباد البحريِ بالكلام فِيِ حكايه السفره السابعه وقال اعلموا يا جماعه انيِ لما رجعت مِن السفره السادسه وعدت لما كنت عَليه فِيِ الزمن الول ونا متواصل الهناءَ والسرور ليلا ونهارا وقد حصل لِيِ مكاسب كثِيره وفوائد عظيمه فاشتاقت نفْسيِ اليِ الفرجه فِيِ البلاد وليِ ركوب البحر وعشره التجار وسماع الخبار فهممت بذلِك المر وحزمت احمالا بحريه مِن المتعه الفاخره وحملتها مِن مدينه بغداد اليِ مدينه البصره فريت مركبا محضرا للسفر وفيه جماعه مِن التجار العظام فنزلت معهم واستنست بهم وسرنا بسلامه وعافيه قاصدين السفر وقد طاب لنا الريح حتّى وصلنا اليِ مدينه الصين ونحن فِيِ غايه الفرح والسرور نتحدث مَع بَعضنا فِيِ امر السفر والمتجر.
فبينما نحن عليِ هَذه الحاله وذا بريح عاصف هب مِن مقدم المركب ونزل علينا مطر شديد حتّى ابتلينا وابتلت حمولنا فغطينا الحمول باللباد والخيش خوفا عليِ البضاعه مِن التلف بالمطر وصرنا ندعوا الله تعاليِ ونتضرع اليه فِيِ كشف ما نزل بنا مما نحن فيه فعِند ذلِك قام ريس المركب وشد حزامه وتشمر وطلع عليِ الصاريِ وصار يلتفت يمينا وشمالا وبعد ذلِك نظر اليِ اهل المركب ولطم عليِ وجهه ونتف لحيته فقلنا يا ريس ما الخبر فقال لنا اطلبوا مِن الله تعاليِ النجاه مما وقعنا وابكوا عليِ انفسكم وودعوا بَعضكم واعلموا ان الريح قَد غلب علينا ورمانا فِيِ آخر بحار الدنيا.
ثم ان الريس نزل مِن فَوق الصاريِ وفَتح صندوقه وخرج مِنه كيسا قطنا وفكه وخرج مِنه ترابا مِثل الرماد وبله بالماءَ وصبر عَليه قلِيلا وشمه ثُم أنه اخرج مِن ذلِك الصندوق كتابا صغيرا وقرا فيه وقال لنا اعلموا يا ركاب ان فِيِ هَذا الكتاب امرا عجيبا يدل عليِ ان كُل مِن وصل اليِ هَذه الرض لَم ينج مِنها بل يهلك فن هَذه الرض تسميِ أقليم الملوك وفيها قبر سيدنا سليمان بن داود عَليهما السلام وفيه حيات عظام الخلقه هائله المنظر فكل مركب وصل اليِ هَذا القليم يطلع لَه حوت مِن البحر فيبتلعه بجميع ما فيه
فلما سمعنا هَذا الكلام مِن الريس تعجبنا غايه العجب مِن حكايته فلم يتِم الريس كلامه لنا حتّى صار المركب يترفع بنا عَن الماءَ ثُم ينزل وسمعنا صرخه عظيمه مِثل الرعد القاصف فارتعبنا مِنها وصرنا كالموات ويقنا بالهلاك فِيِ ذلِك الوقت وذا بحوت قَد اقبل عليِ المركب كالجبل العاليِ ففزعنا مِنه وقد بكينا عليِ انفسنا بكاءَ شديدا وتجهزنا للموت وصرنا ننظر اليِ ذلِك الحوت ونتعجب مِن خلقته الهائله وذا بحوت ثان قَد اقبل علينا فما رينا اعظم خلقه مِنه ولا اكبر.
فعِند ذلِك ودعنا بَعضنا ونحن نبكيِ عليِ ارواحنا وذا بحوت ثالث قَد اقبل وهو اكبر مِن الاثنين اللذين جاءا قَبله وصرنا لا نعيِ ولا نعقل وقد اندهشت عقولنا مِن شده الخوف والفزع ثُم ان هَذه الحيتان الثلاثه صاروا يدورون حَول المركب وقد اهويِ الحوت الثالث ليبتلع المركب بِكُل ما فيه وذا بريح عظيم ثار فقام المركب ونزل عليِ شعب عظيم فانكسر وتفرقت جميع اللواح وغرقت جميع الحمول والتجار والركاب فِيِ البحر.
فخلعت أنا جميع ما عليِ مِن الثياب ولم يبق عليِ غَير ثوب واحد ثُم عمت قلِيلا فلحقت لوحا مِن الواح المركب وتعلقت بِه ثُم انيِ طلعت عَليه وركبته وقد صارت المواج والرياح تلعب بيِ عليِ وجه الماءَ ونا قابض عليِ ذلِك اللوح والموج يرفعنيِ ويحطنيِ ونا فِيِ اشد ما يَكون مِن المشقه والخوف والجوع والعطش وصرت الوم نفْسيِ عليِ ما فعلته وقد تعبت نفْسيِ بَعد الراحه وقلت لروحيِ يا سندباد يا بحريِ أنت لَم تتب كُل مَره تقاسيِ فيها الشدائد والتعب ولم تتب عَن سفر البحر ون تبت تكذب فِيِ التوبه فقاس كُل ما تلقاه فنك تستحق جميع ما يحصل لك
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الثامنه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما غرق فِيِ البحر ركب لوحا مِن الخشب وقال فِيِ نفْسه استحق جميع ما يجريِ لِيِ وكل هَذا مقدر عليِ مِن الله تعاليِ حتّى ارجع عما أنا فيه مِن الطمع وهَذا الَّذِيِ اقاسيه مِن طمعيِ فن عنديِ مالا كثِيرا ثُم أنه قال وقد رجعت لعقليِ وقلت انيِ فِيِ هَذه السفره قَد تبت اليِ الله تعاليِ توبه نصوحا عَن السفر وما بقيت عمريِ اذكره عليِ لسانيِ ولا عليِ باليِ ولم ازل اتضرع اليِ الله تعاليِ وبكيِ ثُم انيِ تذكرت فِيِ نفْسيِ ما كنت فيه مِن الراحه والسرور واللهو والطرب والانشراح ولم ازل عليِ هَذه الحاله أول وثانيِ يوم اليِ ان طلعت عليِ جزيره عظيمه فيها شيء كثِير مِن الشجار والنهار فصرت اكل مِن ثمر تلك الشجار وشرب مِن ماءَ تلك النهار حتّى انتعشت وردت لِيِ روحيِ وقويت همتيِ وانشرح صدريِ ثُم مشيت فِيِ الجزيره فريت فِيِ جانبها الثانيِ نهرا عظيما مِن الماءَ العذب ولكن ذلِك النهر يجريِ جريا قويا: فتذكرت امر الفلك الَّذِيِ كنت فيه سابقا وقلت فِيِ نفْسيِ لابد ان اعمل لِيِ فلكا مِثله لعليِ انجو مِن هَذا المر فن نجوت بِه حصل المراد وتبت اليِ الله تعاليِ مِن السفر ون هلكت ارتاح قلبيِ مِن التعب والمشقه ثُم انيِ قمت فجعلت اخشابا مِن تلك الشجار مِن خشب الصندل العال الَّذِيِ لا يُوجد مِثله ونا لا ادريِ أيِ شيء هُو ولما جمعت تلك الخشاب تخليت بغصان ونبات مِن هَذه الجزيره وفتلتها مِثل الحبال وشددت بها الفلك وقلت ان سلمت فمن الله ثُم انيِ انزلت فِيِ ذلِك الفلك وسرت بِه فِيِ ذلِك النهر حتّى خرجت مِن آخر الجزيره ثُم بَعدت عنها ولم ازل سائرا أول يوم وثانيِ يوم وثالث يوم بَعد مفارقه الجزيره ونا نائم ولم اكل فِيِ هَذه المده شيئا ولكن إذا عطشت شربت مِن ذلِك النهر وصرت مِثل الفرخ الدايخ مِن شده التعب والجوع حتّى انتهيِ بيِ الفلك اليِ جبل عال والنهر داخِل مِن تَحْته.
فلما ريت ذلِك خفت عليِ نفْسيِ مِن الضيق الَّذِيِ كنت أنا فيه أول مَره فِيِ النهر السابق وردت ان اوقف الفلك وطلع مِنه اليِ جانب الجبل فغلبنيِ الماءَ فجذب الفلك ونا فيه ونزل بِه حت الجبل فلما ريت ذلِك ايقنت بالهلاك وقلت لا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم ولم يزل الفلك سائرا مسافه يسيره ثُم طلع اليِ مكان واسع وذا هُو واد كبير والماءَ يهدر فيه وله دويِ مِثل دويِ الرعد وجريان مِثل جريان الريح فصرت قابضا عليِ ذلِك الفلك بيديِ ونا خائف ان اقع فَوقه والمواج تلعب يمينا وشمالا فِيِ وسَط ذلِك المكان ولم يزل الفلك منحدرا مَع الماءَ الجاريِ فِيِ ذلِك الواديِ ونا لا اقدر عليِ مَنعه ولا استطيع الدخول بِه فِيِ جهه البر اليِ ان رسيِ بيِ عليِ جانب مدينه عظيمه المنظر مليحه البناءَ فيها خلق كثِير.
فلما رونيِ ونا فِيِ ذلِك الفلك منحدر فِيِ وسَط النهر مَع التيار رموا عليِ الشبكه والحبال فِيِ ذلِك الفلك ثُم اطلعوا الفلك مِن ذلِك النهر اليِ البر فسقطت بينهم ونا مِثل الميت مِن شده الجوع والسهر والخوف فتلقانيِ مِن بَين هؤلاءَ الجماعه رجل كبير فِيِ السن وهو شيخ عظيم ورحب بيِ ورميِ لِيِ ثيابا كثِيره جميله فسترت بها عورتيِ ثُم أنه اخذنيِ وسار بيِ ودخلنيِ الحمام وجاءَ لِيِ بالشربه والروائح الذكيه ثُم بَعد خروجنا مِن الحمام اخذنيِ اليِ بيته ودخلنيِ فيه ففرح بيِ اهل بيته ثُم اجلسنيِ فِيِ مكان ظريف وهيا لِيِ شيئا مِن الطعام الفاخر فكلت حتّى شبعت وحمدت الله تعاليِ عليِ نجاتي.
وبعد ذلِك قدم لِيِ غلمانه ماءَ ساخنا فغسلت يديِ وجاءنيِ حواريه بمناشف مِن الحرير فنشفت يديِ ومسحت فميِ ثُم ان ذلِك الشيخ قام مِن وقْته وخليِ لِيِ مكانا منفردا وحده فِيِ جانب داره ولزم غلمانه وجواريه بخدمتيِ وقضاءَ حاجتيِ وجميع مصالحيِ فصاروا يتعهدوننيِ ولم ازل عليِ هَذه الحاله عنده فِيِ دار الضيافه ثلاثه ايام ونا عليِ اكل طيب وشرب طيب ورائحه طيبه حتّى ردت لِيِ روحيِ وسكن روعيِ وهدا قلبيِ وارتاحت نفْسي.
فلما كَان اليَوم الرابع تقدم اليِ الشيخ وقال لِيِ انستنا يا ولديِ والحمد لله عليِ سلامتك فهل لك ان تَقوم مَع اليِ ساحل البحر وتنزل السوق فتبيع البضاعه وتقبض ثمِنها لعلك تشتريِ بها شيئا تتجر فيه
فسكت قلِيلا وقلت فِيِ نفْسيِ ليس معيِ بضاعه وما سَبب هَذا الكلام قال الشيخ يا ولديِ لا تهتم ولا تفكر فقم بنا اليِ السوق فن رينا مِن يعطيك فِيِ بضاعتك ثمنا يرضيك اقبضه لك ون لَم يجيء فيها شيء يرضيك احفظها لك عنديِ فِيِ حواصليِ حتّى تجيء ايام البيع والشراءَ فتفكرت فِيِ امريِ وقلت لعقليِ طاوعه حتّى تنظر أيِ شيء تَكون هَذه البضاعه ثُم انيِ قلت لَه سمعا وطاعه يا عم الشيخ والذيِ تفعله فيه البركه ولا يُمكننيِ مخالفتك فِيِ شيء ثُم انيِ جئت معه اليِ السوق فوجدته قَد فك الفلك الَّذِيِ جئت فيه وهو مِن خشب الصندل وطلق المناديِ عَليه.
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله التاسعه والخمسين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما ذهب مَع الشيخ اليِ شاطئ البحر وريِ الفلك الَّذِيِ جاءَ فيه مِن خشب الصندل مفكوكا وراءَ الدلال يدلل عَليه التجار وفتحوا باب سعره وتزايدوا فيه اليِ ان بلغ ثمنه الف دينار وبعد ذلِك توقف التجار عَن الزياده فالتفت لِيِ الشيخ وقال اسمع يا ولديِ هَذا سعر بضاعتك فِيِ مِثل هَذه اليام فهل تبيعها بهَذا السعر أو تصبر ونا احفظها لك عنديِ فِيِ حواصليِ حتّى يجيء اوان زيادتها فِيِ الثمن فنبيعها لك فقلت لَه يا سيديِ المر امرك فافعل ما تُريد فقال يا ولديِ اتبيَعنيِ هَذا الخشب بزياده مائه دينار ذهبا فَوق ما اعطيِ فيه التجار فقلت لَه بعتك وقبضت الثمن.
فعِند ذلِك امر غلمانه بنقل الخشب اليِ حواصله ثُم انيِ رجعت معه اليِ بيته فجلسنا وعد لِيِ جميع ثمن ذلِك الخشب وحضر لِيِ اكياسا ووضع المال فيها وقفل عَليها بقفل حديد وعطانيِ مفتاحه وبعد مده ايام ولياليِ قال الشيخ يا ولديِ انيِ اعرض عليك شيئا وشتهيِ ان تطاوعنيِ فيه فقلت لَه وما ذاك المر فقال لِيِ اعلم انيِ بقيت رجلا كبير السن وليس لِيِ ولد ذكر وعنديِ بنت صغيرة السن ظريفه الشَكل لَها مال كثِير وجمال فريد ان ازوجها لك وتقعد معها فِيِ بلادنا ثُم انيِ املكك جميع ما هُو عنديِ وما تمسكه يديِ فنيِ بقيت رجلا كبيرا ونت تَقوم مقاميِ فسكت ولم اتكلم فقال لِيِ اطعنيِ يا ولديِ فِيِ الَّذِيِ اقوله لك فن مراديِ لك الخير فن اطعتنيِ زوجتك ابنتيِ وتبقيِ مِثل ولديِ وجميع ما فِيِ يديِ وما هُو ملكيِ يصير لك ون اردت التجاره والسفر اليِ بلادك لا يمنعك أحد وهَذا مالك تَحْت يدك فافعل بِه ما تُريد وما تختاره.
فقلت لَه والله يا عم الشيخ أنت امرت مِثل والديِ ونا قاسيت اهوالا كثِيره ولم يبق لِيِ ريِ ولا معرفه فالمر امرك فِيِ جميع ما تُريد.
فعِند ذلِك امر الشيخ غلمانه بحضار القاضيِ والشهود فحضرهم وزوجنيِ ابنته وعمل لنا وليمه عظيمه وفرحا كبيرا ودخلنيِ عَليها فريتها فِيِ غايه الحسن والجمال بقد واعتدال وعَليها شيء كثِير مِن انواع الحليِ والحلل والمعادن والمصاغ والعقود والجواهر الثمينه الَّتِيِ قيمتها الوف اللوف مِن الذهب ولا يقدر أحد عليِ ثمنها.
فلما دخلت عَليها اعجبتنيِ ووقعت المحبه بيننا وقمت معها مده مِن الزمان ونا فِيِ غايه النس والانشراح وقد توفيِ والدها اليِ رحمه الله تعاليِ فجهزناه ودفناه ووضعت يديِ عليِ ما كَان معه وصار جميع غلمانه غلمانيِ وتحت يديِ فِيِ خدمتيِ وولانيِ التجار مرتبته لنه كَان كبيرهم ولا يخذ اخد شيئا الا بمعرفته واذنه لنه شيخهم وصرت أنا فِيِ مكانه
فلما خالطت اهل تلك المدينه وجدتهم تنقلب حالتهم فِيِ كُل شهر فتظهر لَهُم اجنحه يطيرون بها اليِ عنان السماءَ ولا يبقيِ متخلفا فِيِ ذلِك المدينه غَير الطفال والنساءَ فقلت فِيِ نفْسيِ إذا جاءَ رس الشهر اسل احدا مِنهم فلعلهم يحملونيِ معهم اليِ أين يروحون فلما جاءَ رس ذلِك الشهر تغيرت الوانهم وانقلبت صورهم فدخلت عليِ واحد مِنهم وقلت لَه بالله عليك ان تحملنيِ معك حتّى اتفرج وعود معكم فقال لِيِ هَذا شيء لا يُمكن فلم ازل اتداخِل عَليه حتّى انعم عليِ بذلِك وقد رافقتهم وتعلقت بِه فطار بيِ فِيِ الهواءَ ولم اعلم احدا مِن اهل بيتيِ ولا مِن غلمانيِ ولا مِن اصحابيِ ولم يزل طائرا بيِ ذلِك الرجل ونا عليِ اكتافه حتّى علا بيِ فِيِ الجو فسمعت تسبيح الملاك فِيِ قبه الفلاك فتعجبت مِن ذلِك وقلت سبحان الله فلم استتم التسبيح حتّى خرجت نار مِن السماءَ كادت تحرقهم فنزلوا جميعا ولقونيِ عليِ جبل عال وقد صاروا فِيِ غلبه الغيظ منيِ وراحوا وخلونيِ فصرت وحديِ فِيِ ذلِك الجبل فلمت نفْسيِ عليِ ما فعلت وقلت لا حَول ولا قوه الا بالله العليِ العظيم انيِ كلما اخلص مِن مصيبه اقع فِيِ مصيبه اقويِ مِنها ولم ازل فِيِ ذلِك ولا اعلم أين اذهب وذا بغلامين سائرين كنهما قمران وفيِ يد كُل واحد مِنهما قضيب مِن ذهب يتعكز عَليه.
فتقدمت اليهما وسلمت عَليهما فردا عليِ السلام فقلت لهما بالله عليكَما مِن انتما وما شنكَما فقالا لِيِ نحن مِن عباد الله تعاليِ ثُم أنهما اعطيانيِ قضيبا مِن الذهب الحمر الَّذِيِ كَان معهما وانصرفا فِيِ حال سبيلهما وخليانيِ فصرت اسير عليِ رس الجبل ونا اتعكز بالعكاز وتفكر فِيِ امر هذين الغلامين وذا بحيه قَد خرجت مِن تَحْت ذلِك الجبل وفيِ فمها رجل بلعته اليِ تَحْت صرته وهو يصيح ويقول مِن يخلصنيِ يخلصه الله مِن كُل شده فتقدمت اليِ تلك الحيه وضربتها بالقضيب الذهبيِ عليِ رسها فرمت الرجل مِن فمها
ودرك شهرزاد الصباح فسكتت عَن الكلام المباح.
وفيِ الليله الستين بَعد الخمسمائه قالت: بلغنيِ ايها الملك السعيد ان السندباد البحريِ لما ضرب الحيه بالقضيب الذهب الَّذِيِ كَان بيده ولقت الرجل مِن فمها قال فتقدم اليِ الرجل وقال حيثُ كَان خلاصيِ عليِ يديك مِن هَذه الحيه فما بقيت افارقك ونت صرت رفيقيِ فِيِ هَذا الجبل فقلت لَه مرحبا وسرنا فِيِ ذلِك الجبل وذا بقوم اقبلوا علينا فنظرت اليهم فذا فيهم الرجل الَّذِيِ كَان حملنيِ عليِ اكتافه وطار بيِ فتقدمت اليه واعتذرت لَه وتلطفت بِه وقلت لَه يا صاحبيِ ما هكذا تفعل الصحاب بصحابهم فقال لِيِ الرجل أنت الَّذِيِ اهلكتنا بتسبيحك عليِ ظهريِ فقلت لَه لا تؤاخذنيِ فنيِ لَم اكن اعلم بهَذا المر ولكننيِ لا اتكلم بَعد ذلِك ابدا فسمح بخذيِ معه ولكن اشترط عليِ ان لا اذكر الله ولا اسبحه عليِ ظهره ثُم أنه حملنيِ وطار بيِ مِثل الول حتّى اوصلنيِ اليِ منزليِ فتلقتنيِ زوجتيِ وسلمت عليِ وهنتنيِ بالسلامه وقالت لِيِ احترس مِن خروجك بَعد ذلِك مَع هؤلاءَ القوام ولا تعاشرهم فنهم اخوان الشياطين ولا يعلمون ذكر الله تعاليِ فقلت لَها كَيف حال ابيك معهم فقالت لِيِ ان ابيِ ليس مِنهم ولا يعمل مِثلهم والريِ عنديِ حيثُ مات ابيِ انك تبيع جميع ما عندنا وتخذ بثمنه بضائع ثُم تسافر اليِ بلادك وهلك ونا اسير معك وليس لِيِ حاجه بالقعود هُنا فِيِ هَذه المدينه بَعد اميِ وبي.
فعِند ذلِك صرت ابيع مِن متاع ذلِك الشيخ شيئا بَعد شيء ونا اترقب احدا يسافر مِن تلك المدينه وسير معه فبينما أنا كذلِك وذا بجماعه فِيِ المدينه ارادوا السفر ولم يجدوا لَهُم مركبا فاشتروا خشبا وصنعوا لَهُم مركبا كبيرا فاكتريت معهم ودفعت اليهم الجره بتمامها.
ثم نزلت زوجتيِ وجميع ما كَان معنا فِيِ المركب وتركنا الملاك والعقارات فسرنا ولم نزل سائرين فِيِ البحر مِن جزيه اليِ جزيره ومن بحر اليِ بحر وقد طاب لنا ريح السفر حتّى وصلنا بالسلامه اليِ مدينه البصره فلم اقم بها بل اكتريت مركبا آخر ونقلت اليه جميع ما كَان معيِ وتوجهت اليِ مدينه بغداد ثُم دخلت حارتيِ وجئت داريِ وقابلت اهليِ وصحابيِ وحبابيِ وخزنت جميع ما كَان معيِ مِن البضائع فِيِ حواصليِ وقد حسب اهليِ مده غيابيِ عنهم فِيِ السفره السابعه فوجدوها سبعا وعشرين سنه حتّى قطعوا الرجاءَ مني
فلما جئت وخبرتهم بجميع ما كَان مِن امريِ وما جريِ لِيِ صاروا كلهم يتعجبون مِن ذلِك المر عجبا كبيرا وقد هنونيِ بالسلامه ثُم انيِ تبت اليِ الله تعاليِ عَن السفر فِيِ البر والبحر بَعد هَذه السفره السابعه الَّتِيِ هِيِ غايه السفرات وقاطعه الشهوات وشكرت الله سبحانه وتعاليِ وحمدته وثنيت عَليه حيثُ اعادنيِ اليِ اهليِ وبلاديِ ووطانيِ فانظر يا سندباد يا بريِ ما جريِ لِيِ وما وقع لِيِ وما كَان مِن امريِ فقال السندباد البريِ للسندباد البحريِ بالله عليك لاتؤاخذنيِ بما كَان منيِ فِيِ حقك ولم يزالوا فِيِ موده مَع بسط زائد وفرح وانشراح اليِ ان اتاهم هادم اللذَات ومفرق الجماعات ومخرب القصور ومعمر القبور وهو كس الموت فسبحان الحيِ الَّذِيِ لا يموت.

صور من قصص الف ليلة وليلة قصة السندباد البحرى , السندباد البحري

  • صور من كتاب الف ليلة وليلة
  • قصة السندباد مع النسر و الجواهر
  • قصص سندباد من اول حلقه الىاخر حلقه
2٬701 views

من قصص الف ليلة وليلة قصة السندباد البحرى , السندباد البحري