حكايات البرّ بالوالدين في الموروث العربي
حظي موضوع برّ الوالدين بمكانة سامية في الموروث العربي والإسلامي منذ أقدم العصور، فقد عرفت الجزيرة العربية قبل الإسلام نظاماً اجتماعياً متيناً يقوم على تقديس الأبوين وتقديمهما على سائر الناس. وكان العربي يرى أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر وأشنع الجرائم، حتى جاء الإسلام فأكّد هذا المعنى ورفع من شأنه، فنزلت الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية الشريفة تحثّ على إحسانهما وطاعتهما بالصالح من القول والفعل. وظلّ هذا الميراث حياً في كتب الأدب والتاريخ والحديث، تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل بوصفه دستوراً أخلاقياً يربط الفرد بأسرته وبمجتمعه.
تحمل هذه القصص المأثورة رصيداً إنسانياً هائلاً، فهي ليست سرداً للتاريخ بقدر ما هي مرآة تعكس قيم المجتمع العربي وقناعاته، وتكشف عن الطريقة التي تعامل بها الناس مع آبائهم وأمهاتهم في مختلف الظروف. ومن المفيد أن يستلهم القارئ المعاصر منها دروساً تتجاوز الزمان والمكان، خاصة في زمن أصبحت فيه العلاقة بين الأبناء والوالدين تمرّ بتحديات غير مسبوقة. ولعلّ الاطلاع على هذه الحكايات يعيد ترتيب الأولويات ويذكّر بفضل الوالدين الذي لا يُقدَّر بثمن.
الجارية والقدح المسموم
تدور هذه الحكاية الشهيرة حول فتاة صغيرة عاشت في كنف أبيها بعد أن فقدت أمّها، فلمّا تزوّج أبوها امرأة أخرى حسدت الفتاة على حبّ أبيها لها، وقرّرت أن تتخلّص منها. أخذت الزوجة تحيك المكائد حتى أغرت أحد الخدم بأن يضع لها سماً في قدح الحليب الذي تحمله الفتاة إلى أبيها، وفي اللحظة الأخيرة اكتشف الأب الأمر وعرض على ابنته أن يشرب هو القدح جزاءً لتقصيره، فإذا بالفتاة تقول مقولتها الخالدة: "والله لا أريق من هذا القدح قطرة حتى ألقى الله فأخاصمه إليك". وتكاد هذه الكلمات تلخّص روح البرّ العربي بأجمعه، إذ ضحّت الابنة بنفسها في سبيل أن لا يصيب والدها مكروه.
تعدّ هذه القصة من أشهر ما ورد في كتب الحديث والأدب معاً، فنجدها عند الإمام مالك في الموطأ وعند البخاري في الصحيح، كما أشار إليها الجاحظ في كتبه الأدبية ضمن سياق حديثه عن الوفاء وبرّ الوالدين. ويلاحظ الباحثون أن العرب لم يفصلوا بين الموروث الديني والموروث الأدبي في هذا الباب، فجاءت نصوصهم مزيجاً من القيمتين الروحية والإنسانية، وهو ما أكسبها قوّة في الحفظ والانتشار عبر القرون. وروى الأدباء أن هذه الحكاية أصبحت مثلاً سائراً يضربونه لكلّ من يقدّم نفسه فداءً لوالده.
مواقف من السيرة النبوية
لم يكن برّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لأمّه خاضعاً لتقليد موروث فحسب، بل كان سلوكاً حيّاً يتجلّى في كلّ مواقفه. تذكر كتب السيرة أنه لما ماتت أمّه آمنة بنت وهب وهو صغير لم يجفّ حزنه عليها، بل ظلّ يترحّم عليها ويذكر فضلها في مناسبات كثيرة. كذلك كانت مواقفه مع أصحابه دروساً بليغة، فقد رأى رجلاً يطوف بالكعبة ويحمل أمّه على ظهره ويسأل النبيّ هل أدّى حقّها، فقال له: "لا، ولا بطلقة واحدة". وفي رواية أخرى، وقف ثلاثة من أصحابه يسألون زوجات النبيّ عن عمله في السرّ، فلما أُخبروا بشيء من ذلك قال أحدهم: "أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر"، وقال الآخر: "أما أنا فأقوم الليل ولا أنام"، وقال الثالث: "وأنا لا أتزوّج النساء"، فخرج عليهم النبيّ مغضباً وقال: "أنا أتقاكم لله وأعلمكم به، لكنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي".
ولعلّ في هذه المواقف النبوية ما يكشف عن المقصد الحقيقي للبرّ، فهو ليس انقطاعاً للحياة أو إيذاء للنفس، بل هو إحسان دائم يجتمع فيه العقل مع العاطفة، والعلم مع العمل. ومن ينظر في سيرة الصحابة يجد أمثلة كثيرة على هذا الخلق الرفيع، فكان كبارهم يتفاخرون بصلة أرحامهم وبرّ آبائهم وأمهاتهم، وكان ذلك من علامات الصلاح والقرب من الله. وكان عبد الله بن عمر إذا مشى مع أمّه لم يتقدّم عليها أبداً، وقال: "إنّ الجنة تحت قدميها".
أبيات في رضا الأمّ
ما إن يطالع المرء دواوين الشعر العربي حتى يجد قصائد بأكملها تنضح بالشوق إلى الوالدين والحنين إليهما، خاصة الأمّ التي كانت رمز الحنان والعطاء. قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته أبياتاً تعدّ من أرقّ ما قيل في البرّ، ومطلعها يمجّد فضل الأمّ وصبرها على أبنائها. وقال الشاعر الحطيئة في واحدة من أشهر قصائده يمدح صبر الأمّ وعطوفتها، ويذكر أهل الأدب أن المتنبي كان بارّاً بأمّه كلّ البرّ، ولمّا سُئل عن سبب كثرة ترحاله وعدم استقراره في مكان واحد أجاب بأنّه يبحث عن الرزق الذي يليق بمكانة أمّه في نفسه.
| الشاعر | الحقبة الزمنية | موقفه من الوالدين | الدلالة الأدبية |
|---|---|---|---|
| زهير بن أبي سلمى | العصر الجاهلي | تفاخره بصبر أمّه في معلقته | تقديس الأمّ في الشعر الجاهلي |
| الحطيئة | صدر الإسلام | بكاؤه على أمّه في قصيدته الشهيرة | البرّ يصنع شاعرية المديح والرثاء |
| عنترة بن شداد | العصر الجاهلي | حنينه الدائم لأمّه زبوبة | الفروسية لا تنفصل عن الرقة |
| المتنبي | العصر العباسي | ترحاله بحثاً عن رزق يليق بأمّه | السعي تكريماً للوالدين |
| ابن الرومي | العصر العباسي | مراثيه المتعدّدة في أمّه | الألم يصير شعراً خالداً |
ولم يكن البرّ في الشعر العربي وقوفاً عند الأبوين، بل امتدّ إلى الأهل والأقارب والجيران، فجاءت القصائد تعظّم قيم الوفاء والصلاة في المجتمع. وكان الشاعر يفتخر بقومه حين يذكر مواقفهم مع والديهم، ويعدّ ذلك من أعظم مفاخر القبيلة. ولعلّ هذا اللون من الشعر هو الذي صنع ذلك المخزون الوجداني الذي لا يزال يتفاعل مع وجدان العربي كلّما سمع كلمة "أمّي" أو "أبي"، حتى لو كانت من أغنية عابرة أو من فيلم حديث.
أمثال وحِكَم من التراث
تفتخر كتب الأدب العربي بكثرة الأمثال والحِكَم التي تدور حول برّ الوالدين وعقوبة العقوق، وقد قال العرب قديماً: "برّ الوالدين مفتاح الرزق" و"الجنة تحت أقدام الأمهات"، وهي أمثال تتناقلها الألسنة في كلّ مجلس وموقف. وفي كتاب "مجمع الأمثال" للميداني باب كامل بعنوان "ما جاء في البرّ والصلة"، يضمّ عشرات الأمثال التي يرويها العرب عن تجاربهم مع آبائهم. ومن أشهرها المثل القائل: "من برّ والديه برّه بنيه"، وهو ما أكّدته الدراسات الحديثة حين أثبتت أن الطفل الذي يرى أبويه يحترمان والديهما يتعلّم منه البرّ ويطبّقه في حياته.
ولم تقتصر هذه الأمثال على الجانب النظري بل كانت تُروى مع قصص واقعية توضّحها، فالعربي القديم كان يروي قصة عبد الله بن عمر حين دخل على أمّه وهي تلبّي نداء السائلين، فظلّ واقفاً حتى فرغت من إجابة القوم، ثمّ سألها إن كانت تحتاج شيئاً. وفي قصة أخرى يرويها أصحاب كتب النوادر، أنّ رجلاً جاء إلى حاتم الطائي ومعه أمّه العجوز، فذبح لها ناقته وأوقد نارها لتدفّئها، ثمّ قال: "يا أمّاه، إنّ نارك هذه لتُطفأ بماء من الحياض أكرم منها". وتكشف هذه المواقف عن طبيعة العلاقة بين العربي ووالدته، حيث كانت الأمّ تشغل مكانة لا يدانيها أحد في منظومة القيم.
دروس خالدة من هذه الحكايات
تترك هذه الحكايات والأمثال خلفها رصيداً من القيم التي ينبغي أن تظلّ حيّة في كلّ بيت عربي. أوّل هذه الدروس أنّ البرّ ليس عملاً عابراً أو مناسبة موسمية، بل هو أسلوب حياة يبدأ بالكلمة الطيبة ويمتدّ إلى الخدمة الدائمة والحرص على راحة الوالدين. وثانيها أنّ البرّ لا ينفصل عن الكرامة، فالإنسان البارّ بوالديه يحفظ ماء وجهه ومكانته بين الناس، كما يظهر ذلك واضحاً في كلّ قصة من قصص الموروث العربي. وثالث هذه الدروس أنّ فضل الوالدين لا يُكافأ بأفعال، لكنّها تبقى باباً من أبواب الجنة يُرجى ثوابه عند الله.
ومن خلال دراسة هذه الحكايات يتبين للقارئ أنّ الموروث العربي ليس مجموعة روايات تاريخية جامدة، بل هو ميراث حيّ يتجدّد مع كلّ جيل، يحمل في طيّاته حلولاً لكثير من المشكلات الأسرية المعاصرة. ويمكن للراغبين في صلة أرحامهم أن يجدوا في هذه القصص ما يلهمهم، كما يجد كلّ من يبحث عن تطوير ذاته أن يستلهم منها مواقف عملية. وحتى من لم تسنح له فرصة تعلّم هذه القصص، فإنّ ثمّة مبادرات معاصرة تجمع بين عراقة الماضي وحداثة الحاضر، ومن بينها منصّة قيّمة التي تقدّم محتوى متجدداً يربط بين القيم التراثية وواقع الحياة اليومية.