حكاية بئر السرو والمرأة التي لا يظهر ظلها
في القرى القديمة، لم تكن الحكايات تُروى للتسلية وحدها، بل كانت وسيلة لحفظ الذاكرة وتحذير الصغار من الأماكن المجهولة. وكان كبار السن يربطون أصوات الليل بحكايات الجن والأرواح التائهة، فيصمت الجميع حين تبدأ الريح بالصفير بين الأشجار.
تدور هذه الحكاية في قرية صغيرة تحيط بها التلال من ثلاث جهات، بينما يمتد خلفها وادٍ عميق لا يقترب منه أحد بعد غروب الشمس. وفي طرف الوادي بئر مهجورة تُعرف باسم بئر السرو، لأن شجرة سرو ضخمة نمت قربها، وظلّت أغصانها تتحرك حتى في أكثر الليالي سكوناً.
كان أهل القرية يقولون إن امرأة تظهر عند البئر في الليالي المقمرة، ترتدي ثوباً أبيض وتطلب من المارّين أن يعيدوا إليها شيئاً ضاع منها. ولم يكن أحد يعرف ما ذلك الشيء، لكن كل من حاول الإجابة سمع صوته يخرج من قاع البئر.
ملامح القرية والشخصيات
كان يونس شاباً في السابعة عشرة، يعيش مع جدته زينب في منزل طيني عند نهاية الطريق. اشتهر بين أقرانه بالجرأة، وكان يسخر من قصص الأشباح التي ترويها النساء حول مواقد الحطب. أما جدته، فكانت تؤكد أن بعض الحكايات وُلدت من أحداث حقيقية، ثم أضاف الناس إليها ما يكفي لإخافة الأطفال.
في إحدى الأمسيات، عادت أخت يونس الصغيرة متأخرة من منزل جارتهم، وكانت تبكي بشدة. قالت إنها سمعت امرأة تنادي باسمها من جهة الوادي، ثم رأت شيئاً أبيض يختفي خلف شجرة السرو. حاول يونس تهدئتها، لكنه لاحظ على طرف ثوبها خيطاً أسود طويلاً، كأنه علق بشيء قديم وممزق.
اقتربت الجدة من الخيط، وما إن رأته حتى تغيّر وجهها. أخبرت يونس أن الخيط يشبه نسيجاً كانت النساء يستخدمنه قبل عشرات السنين في أكفان الموتى. ثم طلبت منه ألا يذهب إلى البئر مهما سمع من نداءات، وألا يلتفت إذا شعر بأن أحداً يمشي خلفه.
الطريق إلى بئر السرو
في اليوم التالي، اختفى جدي صغير كان يملكه أحد رعاة القرية. بحث الرجال في المراعي وبين الصخور، حتى وجدوا آثار حوافره تتجه نحو الوادي. توقّف الجميع عند بداية الطريق، فقد كانت آثار الحيوان واضحة في التراب، لكنها انتهت فجأة قرب شجرة السرو، دون أن تظهر علامة على عودته.
لم يحتمل يونس سخرية أصدقائه من خوفه، فانتظر حلول الليل وخرج حاملاً مصباحاً معدنياً وعصاه. كانت السماء صافية، والقمر يضيء الحقول بلون شاحب. ومع كل خطوة، كان يسمع صريراً خافتاً يشبه احتكاك حبل قديم بجدار حجري.
حين بلغ البئر، رأى دلواً خشبياً يتأرجح فوق فوهتها، مع أن الحبل لم يكن موصولاً به. ثم سمع صوتاً نسائياً يقول: «لقد تأخرت كثيراً». تجمد يونس في مكانه، وتذكر وصية جدته، لكنه لم يستطع منع نفسه من النظر إلى سطح الماء.
لم ير وجهه في الماء، بل رأى غرفة ضيقة مضاءة بمصباح زيتي، وفي وسطها امرأة تجلس وظهرها إليه. كان شعرها طويلاً يغطي كتفيها، وثوبها الأبيض ملطخاً بالطين. رفعت يدها ببطء، وأشارت إلى صندوق صغير بجوارها.
ما بين الحكاية والذاكرة
توضح الحكايات الشعبية عادةً خوف المجتمع من الأماكن المنعزلة والآبار المهجورة والطرق التي لا تصلها الشمس. وقد تختلط الوقائع بالخيال مع مرور الزمن، فتتحول حادثة غرق أو اختفاء إلى أسطورة عن كائن غامض يراقب العابرين. ومع ذلك، تبقى التفاصيل المتكررة ذات قيمة، لأنها تكشف ما كان الناس يخشونه ويحاولون تفسيره.
| العنصر | دلالته في الحكاية | أثره في إحساس القارئ |
|---|---|---|
| البئر المهجورة | سر قديم لا يصل إليه أحد | توليد الغموض والخوف |
| شجرة السرو | شاهد صامت على الماضي | ربط المكان بالذكرى |
| الثوب الأبيض | حضور غير مكتمل بين الحياة والموت | إثارة القلق والفضول |
| النداء بالاسم | معرفة خفية بالشخص | جعل الخطر قريباً وشخصياً |
| الصندوق الخشبي | حقيقة مخفية منذ زمن | دفع الأحداث نحو الكشف |
عاد يونس إلى المشهد داخل الماء، فرأى المرأة تلتفت نحوه دون أن يظهر وجهها. كان مكان ملامحها مظلماً تماماً، كأن الليل تجمع هناك. قالت: «أعد ما أُخذ مني، ثم ارحل قبل أن يظهر ظلك».
في تلك اللحظة، سقط المصباح من يده، وانطفأ اللهب. سمع ضحكة قصيرة خلفه، ثم أحس بيد باردة تلمس كتفه. تذكر نصيحة جدته، فأغمض عينيه وبدأ يردد آيات قصيرة بصوت مرتجف. وعندما فتحهما، كان الصندوق الخشبي موضوعاً عند قدميه، رغم أنه لم يلمسه.
العلامات التي سبقت الظهور
قبل أن يفتح يونس الصندوق، سمع حفيفاً يتكرر حوله، كأن أشخاصاً كثيرين يمشون بين الأعشاب. لم يكن هناك قمر في الماء هذه المرة، بل ظهر انعكاس شجرة السرو وحدها، مع أن الشجرة كانت خلفه. وكلما تحرك خطوة، بقي انعكاسها ثابتاً كأنه يراقبه.
كانت هناك علامات غريبة تناقلها أهل القرية في رواياتهم عن البئر، وبعضها ظهر أمام يونس في تلك الليلة:
- اختفاء أصوات الحشرات فجأة من حول المكان.
- ظهور آثار أقدام مبللة على التراب الجاف.
- سماع اسم الشخص بصوت قريب رغم خلو الطريق.
- توقف الظل عن مجاراة صاحبه تحت ضوء القمر.
- العثور على أشياء قديمة في أماكن لم تكن موجودة فيها من قبل.
رفع يونس الصندوق، فصدر منه صوت خافت يشبه بكاء طفل. كان الغطاء مربوطاً بشريط أسود، وعلى سطحه نقش لامرأة تحمل إبريقاً. تذكر الخيط الذي علق بثوب أخته، وفهم أن الصندوق ربما ظل مدفوناً أو مخفياً زمناً طويلاً، وأن ظهوره لم يكن مصادفة.
سر المرأة بلا ظل
فتح يونس الصندوق بيدين مرتعشتين، فوجد بداخله مشطاً عاجياً ورسالة ملفوفة بقطعة قماش. كان الخط باهتاً، لكنه استطاع قراءة بعض الكلمات: «إلى ابنتي مريم، سامحيني لأنني لم أعد». وتحت الكلمات وُجدت صورة صغيرة لامرأة شابة تقف أمام شجرة السرو، وبجانبها طفلة تمسك طرف ثوبها.
وفجأة ظهر صوت المرأة من خلفه: «كنت أنتظر من يعرف اسمي». استدار يونس، فرأى جسداً أبيض بلا ظل يقف قرب البئر. لم تكن قدماها تلامسان الأرض، وكان شعرها يتحرك رغم سكون الهواء. رفعت يدها نحو الرسالة، ثم قالت إن أهل القرية اتهموها قديماً بسرقة حلي امرأة غنية، فهربت خوفاً من العقاب وسقطت في البئر، بينما بقيت ابنتها تنتظر عودتها.
لم تكن تطلب الانتقام، بل أرادت أن تصل الرسالة إلى ابنتها التي أصبحت عجوزاً وتعيش في قرية بعيدة. أما الصندوق، فقد أخفاه رجل خائف قرب البئر بعدما وجده في ليلة سقوط المرأة. ظل السر مدفوناً، وبقيت روحها تظهر لكل من يمر، لا لتؤذيه، بل لتطلب إكمال الطريق الذي عجزت عن إكماله.
عاد يونس قبل الفجر، ووضع الصندوق أمام جدته. عرفت زينب اسم مريم فوراً، فقد كانت ابنة امرأة اختفت في شبابها، ثم غادرت القرية مع أقاربها. وبعد أيام، سافر رجال إلى القرية البعيدة وسلموها الرسالة والمشط. وحين قرأت مريم الكلمات، بكت طويلاً، ثم طلبت أن تُدفن متعلقات أمها قرب شجرة السرو.
لماذا بقيت الحكاية متداولة
بعد دفن الصندوق، لم يرَ أحد المرأة البيضاء عند البئر مرة أخرى. جفت الأصوات الغريبة، وعاد الرعاة إلى استخدام الطريق نهاراً، لكنهم ظلوا يتجنبونه ليلاً احتراماً للمكان. أما يونس، فلم يعد يسخر من حكايات جدته، وصار يروي قصته للصغار مع تنبيههم إلى عدم الاقتراب من الآبار المهجورة.
تكمن قوة هذا النوع من الحكايات في مزجه بين الرهبة والعاطفة. فالقارئ يخاف من الظلام والنداء والظل المفقود، لكنه يتعاطف مع امرأة لم تجد من يسمع حقيقتها. لهذا تبدو الحكاية الشعبية قريبة من الذاكرة؛ فهي تمنح الخوف سبباً، وتحوّل المكان المنسي إلى شاهد على حكاية إنسانية.
حتى الملابس والأدوات القديمة تمنح المشهد ملامحه الخاصة؛ فالثوب الأبيض والمشط العاجي والصندوق الخشبي ليست زينة عابرة، بل مفاتيح لفهم الزمن الذي تنتمي إليه الأحداث. ويمكن لمن يهتم بتفاصيل الأزياء في القصص القديمة أن يستلهم أجواءها من فساتين تراثية تجمع بين الطابع الشعبي واللمسة الحالمة.
إذا أعجبتك أجواء الحكايات الغامضة، شارك هذه القصة مع محبي التراث الشعبي، وأعد روايتها بصوت هادئ في ليلة عائلية، مع الحفاظ على رسالتها الأهم: لا تستهين بأسرار الأماكن القديمة، فقد يكون وراء كل ظل حكاية تنتظر من يسمعها.